الرئيسية / تقارير / المؤرخ حسان حلاق لموقع “وزارة الاعلام”: فكرة العزل في لبنان تجنباً للوباء قديمة منذ القرن التاسع عشر في الكرنتينا
الكرنتينا

المؤرخ حسان حلاق لموقع “وزارة الاعلام”: فكرة العزل في لبنان تجنباً للوباء قديمة منذ القرن التاسع عشر في الكرنتينا

“العزل والتباعد الإجتماعي والحجر المنزلي ضرورة لمواجهة وباء كورونا ، والإستهتار بالإجراءات يؤدي الى كارثة كما حصل مع العديد من الدول متل الصين في البداية وإيطاليا وغيرها من البلدان ، وبعض هذه الدول إعتبرت أنها في مأمن من خطورة هذه الجائحة الخطيرة والوباء القاتل ، الذي يصيب الشباب وصغار السن أيضا مثل ما يصيب كبار السن ” .

حسان حلاق

هذا ما أوضحه الدكتور حسان حلاق مؤرخ مدينة بيروت والأستاذ الجامعي في الجامعة اللبنانية وجامعة بيروت العربية ، وأضاف في لقاء خاص لموقع وزارة الاعلام –  مديرية الدراسات والمنشورات : ” مسألة العزل قديمة جداً وهي معروفة منذ بزوع فجر الإسلام وإنتشار الأمراض ، وقد ورد في الحديث عن سيدنا محمد ﷺ عن الأرض التي يحل بها وباء الطاعون : “إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً منه ” ، وكذلك فقد كان العزل معتمداً أيام أحد أهم من مارس الطب عند العرب ، إبن سينا والرازي ولكنه كان يأخذ أشكالاً مختلفة ، والعرب أقاموا المستشفيات في بغداد ودمشق وكانوا يطلقون عليها إسم ” البيمارستان ” أي مكان إقامة المريض بالفارسية ، حيث كان يبعد المريض فيها عن الناس حتى يعالج ويشفى ولا ينقل العدوى لغيره من الأصحاء”  .
ويتابع الدكتور حلاق :” ما يعنينا من الأمر أن على جميع المواطنين أن لا يتهاونوا في العزل وتنفيذ التعبئة العامة بكل مندرجاتها التي تقررها الحكومة ، وبخاصة خلال هذا الشهر الفضيل لأن الإستهتار بالعزل يؤدي الى الهلاك ، وقد علمنا أن النسب في بعض الدول قد عادت مؤخراً الى الإرتفاع منذ أيام بعد تخفيف مستوى الحظر ، وما تقوم به وزارة الصحة في مستشفى الرئيس رفيق الحريري الحكومي الجامعي جهد طيب ومشكور ، ويجب الإلتزام الكلي بتعليمات الطواقم الطبية المشرفة حتى نتمكن من السيطرة على هذا الفيروس القاتل “.
بداية الفكرة من الكرنتينا
وعن فكرة العزل الطبي ونشأتها في لبنان يقول الدكتور حلاق :” تعود الى عصر الدولة العثمانية حيث اعتمد نظام الكرنتينا وهي من الكلمة الفرنسية  quarantaine  أي العزل والمراقبة لمدة 40 يوماً ، وكانت الدولة العثمانية تطبقها على الأراضي التركية وأراضي الدول التي كانت تحكمها وتقوم بحمايتها صحياً ، وبخاصة بعدما فتك الطاعون بأوروبا وهلك ملايين البشر بسببه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وفي القرن التاسع عشر ضعفت الدولة العثمانية أمام عملاق عسكري وإقتصادي تمثل بحكم محمد علي باشا والي مصر ، الذي أرسل إبنه ابراهيم باشا الى بلاد الشام ليحتلها وتصبح تحت الحكم المصري بين عامي 1831 و1840 ، وفي هذه الفترة إنتشر وباء الطاعون في بعض الدول الأوروبية لينتقل الى بعض الولايات العثمانية ومنها قبرص وإسطنبول العاصمة ومصر ، وحرص إبراهيم باشا في بلاد الشام على عزل المنطقة عن الخطر بالتعاون مع القنصل الفرنسي  حينها هنري غيز ، وبعض القناصل الأوروبيين لتجنيب لبنان وبيروت خاصة إنتشار وباء الطاعون عبر السفن التي كانت ترسو في مرفئها ، وكان هناك تعاون ثقافي بين إبراهيم باشا والدولة الفرنسية وكان يرسل بعض الشباب للدراسة والتخصص في العلوم في فرنسا ” .

أول مستشفى للحجر الصحي
ويقول الدكتور حلاق :” وقع الإختيار على منطقة الخضر بالقرب من مرفأ بيروت حينها لبناء مستشفى كبير للعزل ، وأطلق عليه إسم الكرنتينا من اللفظة الفرنسية ، وبقيت المنطقة والمستشفى تحملان نفس الإسم حتى وقتنا الحاضر، وتألفت حينها من عنابر كبيرة كانت تتسع لمئات الأشخاص ، وعندما ترسو سفينة في الميناء كان إلزامياً أن يدخل ركابها وطاقمها الى الحجر إذا  كانوا ينوون الدخول الى داخل أسوار بيروت ، وأن يلتزموا الحجر لمدة 40 يوماً ، ويراقبهم أطباء فرنسيون ومصريون لمنع إنتشار الأوبئة والأمراض التي قد يحملونها وفي طليعتها مرض الطاعون “.
ويروي الدكتور حلاق بأن ” القنصل الفرنسي هنري غيز قال في مذكراته أن عمل الكرنتينا إمتد في ذلك الحين حوالي عام ونصف ، كانت تؤخذ خلال هذه المدة الإحتياطات الكاملة من السفن القادمة الى مرفأ بيروت وتمنع من إدخال ركابها الى المدينة قبل مكوثهم 40 يوماً في الحجر ، ومن كانت تثبت إصابته بالطاعون كان يوضع في قسم المرضى ويعالج بما توفر حينها من الأدوية ، وقد توفي حينها حوالي 160 شخصاً بالطاعون في قسم العزل ، وكان من شأن هذه الإجراءات أن تحمي بيروت والمناطق لأن التجار وبخاصة تجار الحرير كانوا يأتون من جبل لبنان الى بيروت واذا انتقلت العدوى بالإختلاط ،  كانت ستعم جميع المناطق اللبنانية ساحلاً وجبلاً وصولاً الى الداخل “.
أما في وقتنا الحاضر ، يقول الدكتور حلاق :”  لعل ما يصعب الأمر تضارب تقارير الأطباء عن طرق العلاج بين الأطباء الفرنسيين والصينيين والألمان والأميركيين ، فالطبيب راوول يعتمد على لقاح الملاريا لعلاج فيروس كورونا ، وغيره يعتمد على البلازما من المرضى الذين تم تعافيهم من الفيروس ، ولا دواء فعال للعلاج بصورة قاطعة حتى حينه ، وفي كل الأحوال يبقى الحجر الصحي في القرى والمناطق هو الوسيلة المثلى لوقف انتشار الوباء ، كما حصل في مدينة بشري وجبيل لمنع إنتشار الفيروس ، ويجب التقيد بإجراءات وزارة الصحة وعدم التحرر من التعبئة العامة الا للضرورة القصوى ، لأن الإستهانة بالأمر قد تعيد الفيروس للإنتشار بصورة أكبر لا قدرالله “.

الكرنتينا1899

الكرنتينا في مطلع القرن التاسع عشر

 

حاوره:  عاطف البعلبكي – وزارة الاعلام – مديرية الدراسات والمنشورات اللبنانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *