الرئيسية / تقارير / مركز التحكم الوطني… حجر الأساس “الغائب” لإصلاح الكهرباء وضبط الهدر
IMG_8848

مركز التحكم الوطني… حجر الأساس “الغائب” لإصلاح الكهرباء وضبط الهدر

أيمن شحادة

في نهاية تشرين الثاني من العام 2025، أعلنت مؤسسةكهرباءلبنانعن انقطاع عام للتيار الكهربائي (Blackout)، وذلك إثرانخفاض مفاجئ حاد بالتردد (Under Frequency) على الشبكةالكهربائية، وأشارت المؤسسة في البيان نفسه إلى أنَّ “عملية إدارةوتشغيل الشبكة ومراقبتها بالفعالية المطلوبة من دون مركز التحكمالوطني (National Control CenterNCC)  الذي دُمّر بالكاملخلال انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، هي صعبة للغاية“.

يعاني لبنان من أزمة كهرباء مستدامة، تفاقمت بعد الانهيارالاقتصادي الذي بدأ في العام 2019؛ إذ عجزت الحكومات المتعاقبةعن توفيرها بشكل يمكن الاعتماد عليه.

مسار الإصلاح في قطاع الكهرباء بدأ بعد أكثر من عقدين منتعليق العمل بالقانون 462 الصادر عام 2002، حيث أقرّ مجلسالوزراء في 11 أيلول 2025 إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، وذلك بهدف تأمين الاستقرار والاستدامة والانسجام في توجهاتالقطاع واتجاهات تطويره، لا سيما وأن عدة قوانين ما زال تنفيذهامعلقاً على تعيين الهيئة الناظمة، ومنها قانون تنظيم القطاع الذينص على إنشائها، وقانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العاموالخاص، كما أن تعيين الهيئات الناظمة لطالما مثّل أحد شروطالجهات المانحة الدوليّة، التي كانت تصرّ تقليدياً على تحييد العاملالسياسي عن مناقصات وتلزيمات قطاع الكهرباء.

وعليه، تتجه الأنظار اليوم الى مدى تفعيل الهيئة الناظمة لقطاعالكهرباء بشكل كامل، ليس فقط من خلال الاكتفاء بتعيين أعضائها، إنما عبر تمكينها من ممارسة صلاحياتها القانونية والتنظيميةبصورة فعلية، والعمل على تنفيذ خطة الكهرباء، لا سيما ما خصإعادة بناء والعمل بمركز التحكم الوطني، وذلك في إطار تعزيزالشفافية ووقف الهدر والحوكمة في إدارة الكهرباء.

أدوار مركز التحكم

قطاع الكهرباء في لبنان يعاني ومنذ عقود من الفساد وغياب الإدارةالرشيدة، ما كلف الدولة مليارات الدولارات دون حلول فعالة. وقدزادت معدلات الاعتماد على شبكة المولدات الخاصة العاملة بوقودالديزل، ومصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء في لبنان منذعام 2020، إثر غياب مركز التحكم الوطني وإنهيار شبكة الكهرباء.

وفي السياق، أكد الباحث في مجال الطاقة مارك أيوب بأناضرارغياب مركز التحكم الوطني أساسية وتداعياته على شبكة الكهرباءكبيرة، لأنه لا يمكن لأحد معرفة عمل الشبكة او التحكم بها، خاصةوان الانتاج حاليا منخفض وهو يكون بين 600 و800 ميغاوات، وهيكمية ضئيلة، ولذلك يحصل انقطاع عام للتيار الكهربائي(Blackoutوالتحكم اليوم يحصل يدويا من معمل الزوق وديرعمار، وليس بطريقة مركزية كما كان في الطابق السابع منالمؤسسة، حيث كانت كل مراكز النقاط تحت المراقبة.

وكانت وزارة الطاقة والمياه قد أعلنت في 5 آب من العام 2020، بأنالإنفجار الهائل الذي حصل بالأمس (في 4 آب) في مرفأ بيروتأدى الى دمار كلي في المبنى المركزي لمؤسسة كهرباء لبنان حيثيقع مركز التحكم الوطني الذي خرج كليا عن الخدمة“، ما تسبببتعطل أجهز الاستشعار عن بعد التي تتيح للمؤسسة مراقبةالتوزيع ومخارج الخطوط وحمولة كل خط من المركز المذكور.

ولمركز التحكم الوطني أهمية كبيرة لأنه يضبط توزيع الكهرباء بينالمناطق، بحسب الخبيرة في شؤون الطاقة كريستينا ابيحيدر، وهو يلعب دورا أساسيا مع تركيب العدادات الذكية لأنهيضبط الهدر غير الفني (سرقة الكهرباء) مركزيا، ويستطيع ضبطمن يستعمل الكهرباء من دون دفع فواتير الكهرباء، وذكرت بأنتوزيع الكهرباء اليوم يتم بشكل يدوي ولا يوجد مراقبة، حيث لا يوجدعدالة في التوزيع بين المناطق.

هذه الأوضاع، ومنذ العام 2020، أدت إلى إستقلال وتوسع دورالعاملين في المحطات وأصبح من المستحيل مراقبة مدى إلتزامهمببرامج التوزيع الموضوعة، والتي يفترض أن تضمن عدالة التوزيعفي سائر المحطات وعلى كافة الخطوط، بالإضافة الى الالتزامببرامج التقنين في ظل محدودية الإنتاج. وقد وردت عدة شكاوىموضوعها قيام العاملين بتلك المحطات بتزويد خطوط دون أخرىبشكل غير متوازن وغير عادل.

تحديات التشغيل والغياب !

ردًا على سؤال وجه الى مؤسسة كهرباء لبنان، ذكرتالمؤسسة إن عملية إدارة الشبكة الكهربائية العامة والتحكم بهالضمان توفير الكهرباء بانتظام وموثوقية هو مجال معقد ومتشعبفنيا، بحيث أنه يتطلب تنسيقا دقيقاً وآنيا ومتواصلا بين العديد منالعناصر التقنية المتداخلة، وترتيبات تقنية بين إنتاج الطاقة، وخطوطالنقل، ومحطات التحويل الرئيسية، وصولاً إلى مستهلكي الطاقةالمتصلين على شبكات التوزيع على التوتر المتوسط، ومن ثم علىالتوتر المنخفض.

كما تخضع هذه العملية لرقابة فنية متشابكة أبرزها توزيع الأحمالبما يتناسب مع الحالة المنتجة وضمان توازن التردد(FREQUENCY) وثبات توترات النقل والتوزيع (VOLTAGES)  ضمن التسامحات المقبولة.

من المفترض أن يشكل مركز التحكم بالشبكة الكهربائية اللبنانيةالمرتكز الأساسي في ادارة عملية كافة هذه العناصر والتحكمبالشبكة، وإدارتها من خلال متابعة حركة تدفق الطاقة بشكلمتواصل وآني، إلا أن هذا المركز غير متوفر منذ تاريخ انفجار مرفأبيروت بتاريخ 4/8/2020 الذي أدى إلى دمار هذا المركز بشكلكامل.

ولفتت مؤسسة كهرباء لبنان حول عمل المؤسسة في ظل غياب مركزالتحكم، إلى أنهمنذ تاريخ 4/8/2020 تم تسيير عملية التحكمبالشبكة الكهربائية بطرق تقنية بدائية للغاية (بواسطةFREQUENCY METER) من محطة الجمهور الرئيسية، ودونالقدرة على مراقبة أي من مكونات الشبكة الكهربائية من معاملإنتاج، خطوط نقل، محطات تحويل رئيسية إلخ…، ومع ما تواجهههذه العملية من صعوبات وتحديات فنية، أبرزها عدم استقرارالشبكة الكهربائية نتيجة عدم توفر قدرات إنتاجية كافية على الشبكةالكهربائية، تؤدي إلى انقطاعات تقنية شاملة ومتكررة لا يمكنالتحكم بها أو توقعها أو تلافيها لا سيما في ظل إدارة الشبكة دونمركز التحكم، ما يضع عملية إدارة الشبكة الكهربائية في مواجهةتحديات فنية كبيرة لتأمين  ثبات الشبكة الكهربائية، وخصوصاً فيظل استمرار عدم توفر القدرات الإنتاجية المطلوبة بالحد الأدنى“.

قرض البنك الدولي فرصة حقيقة

يترقّب قطاع الكهرباء في لبنان انفراجة، خلال الفترة المقبلة عبرتمويل من البنك الدولي بعدما وقعت الحكومة اللبنانية في 24 نيسانالماضي قرضاً بقيمة 250 مليون دولار لتنفيذ مشروعالطاقةالمتجددة وتعزيز النظام الكهربائي“، ويهدف إلى تمكين خدماتكهرباء أنظف وأكثر موثوقية وكفاءة بما يؤمن جزءاً مهماً من حاجاتالمواطنين، لا سيما في ما خص مركز التحكم.

خاصة وأن غياب المركز يؤثر على توزيع الكهرباء بين المناطقوالتحكم في التوزيع، بحسب أيوب، الذي تحدث عن نقاش حصلقبل قرض البنك الدولي في أيار الماضي حول مركز تحكم صغير، وقد أعد دفتر شروط من قبل البنك الاوروبي، وتم عرضه على العديدمن الجهات المانحة من دون نتيجة، وكان من المفترض وضعه فيوزارة الطاقة مبدئيا حتى تشغيل مبنى المؤسسة في كورنيش النهر، أما اليوم يتم الحديث عن إعادة وضعه في مؤسسة كهرباء لبنان، ووضع مركز تحكم رديف في منطقة اخرى بحال حصول عطل فيالمركز المركزي.

وخلال تسليم وتسلم وزارة الطاقة في 19 شباط 2025، أعلن الوزيرالسابق وليد فياض عن موافقة البنك الدولي في أيار 2025، علىمنح لبنان قرضاً بقيمة 250 مليون دولار لدعم نهوض قطاع الكهرباءوالطاقة المتجددة، ومن بين المشاريع الذي تم الموافقة عليها هوإعادة بناء مركز التحكم الوطني“.

وقد ذكرت كريستينا ابي حيدر بأن قرض البنك الدولي قدم خطةمتكاملة، من تحسين شبكة النقل لا سيما من البقاع، حيث سيتمربط حقل الطاقة الشمسية المنوي انشاؤه بقدرة 150 ميغا معمؤسسة كهرباء لبنان، كما سيتم تركيب العدادات الذكية، واعادةتأهيل معامل كهرومائية التابعة لمصلحة الليطاني والتي بدورها لهاالحق في الإنتاج وليس التوزيع، والأهم هو إعادة بناء مركز التحكمالوطني الذي يضبط الهدر الفني ويسيطر على إنتاج وتوزيعالكهرباء وهو ضرورة ملحة لإصلاح قطاع الكهرباء بشكل عام إذ لايمكن التحكم بالإنتاج والتوزيع دونه.

بدوره، ذكر مارك أيوب بأنقرض البنك الدولي سيكون لمدى عامينمن أجل تنظيم الاصلاحات على الشبكة، وإدخال 150 ميغا منالطاقة الشمسية، إلا أنه لا يمكن إتمام المشروع وإصلاح الكهرباءمن دون عمل مركز التحكم الوطني“.

خطوات عملية

ردا على سؤال حول الإجراءات العملية التي تنفذ ضمن مشروعقرض البنك الدولي لإعادة بناء مركز جديد، ذكرت مؤسسة كهرباءلبنان أنها بصدد إنشاء مركز منفصل ضمن حرمها الخاص كمركزتحكم وطني جديد، ولفتت إلى أنها تعمل ضمن إطار التعاونوالتنسيق مع البنك الدولي، ووفقاً  للخطط والجدول الزمنيللموضوع بالتنسيق معه لتعيين Owner engineer ضمن مهلةأقصاها الأول من شهر آذار من العام 2026، والذي سيقوم تحتإشراف الفريق التقني في مؤسسة  كهرباء لبنان بدرس الدراساتالسابقة التي تم إعدادها ومن ثم إعداد:

–  التصاميم الفنية لمركز التحكم الوطني الجديد.

الجدول الزمني لتنفيذ هذه الأشغال.

الكلفة التقديرية لهذا المشروع.

دفتر الشروط لإطلاق مناقصة لتلزيم الاشغال العائدة لهذاالمشروع ضمن مهلة أقصاها ستة أشهر من تاريخ تعيين Ownerengineer للمشروع.

وأشارت مؤسسة كهرباء لبنان إلى أنها قامت بالتنسيق مع EBRDوالاستشاري شركة EDF بإعداد دراسة لمركز تحكم وطني مؤقتLight Solution.

وعليه، فإن عملية إصلاح الشبكة الكهربائية والسيطرة عليها وضبطالفساد والهدر في الطاقة ينطلق من وجود مركز التحكم التقني الذييشكل الأساس في عملية الحوكمة والشفافية في إدارة مرفقالكهرباء، والذي ينسق ويراقب ويضبط العمل.

يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمهامؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسارالإصلاحات“.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *