الرئيسية / إعلام المواطن / التربية الرقمية في زمن المعالج الاصطناعي
التربية الرقمية في زمن المعالج الاصطناعي

التربية الرقمية في زمن المعالج الاصطناعي

كتبت الدكتورة فيولا مخزوم مقالا تحت عنوان “التربية الرقمية في زمن المعالج الاصطناعي”، واعتبرت ان الانتشار الواسع لنماذج اللغة الكبرى، مثل ChatGPT وGemini  وClaude، تبين فيه تحوّلًا نوعيًا في طبيعة العلاقة بين المتعلم والتكنولوجيا، حيث لم تعد هذه النماذج تقتصر على تقديم المعلومات، بل أصبحت قادرة على محاكاة الحوار الإنساني وإظهار أنماط لغوية توحي بالتعاطف والدعم النفسي. مما يثير مخاوف تربوية متزايدة حول حدود الدور الذي ينبغي أن تؤديه هذه النماذج، وجاء في المقال:

فيولا مخزوم

تفرض التحولات الرقمية المتسارعة على النظم التربوية إعادة النظر في مفهوم التربية ذاته، بعدما بات الذكاء الاصطناعي عنصرًا فاعلًا في الحياة اليومية للمتعلمين، لا بوصفه أداة تقنية مساندة فحسب، بل باعتباره وسيطًا معرفيًا ونفسيًا قادرًا على التفاعل والتأثير في أنماط التفكير والسلوك. ويطرح هذا التحول العميق جملة من الأسئلة التربوية والأخلاقية الملحّة، ولا سيما مع تزايد استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي بوصفها ما يُعرف اصطلاحًا بـ”المعالج الاصطناعي” داخل السياقات التعليمية.

يعرّف مفهوم التربية الرقمية، وفق ما تطرحه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بأنه عملية تمكين المتعلمين من الاستخدام الواعي، النقدي، والأخلاقي للتقنيات الرقمية، بما يعزز التعلم المسؤول ويحفظ الكرامة الإنسانية ويحدّ من المخاطر المصاحبة للتكنولوجيا. وتؤكد اليونسكو أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم يجب أن يتم ضمن إطار قيمي واضح، يهدف إلى تحسين جودة التعليم وتحقيق العدالة، لا إلى استبدال الأدوار الإنسانية الأساسية في التربية والدعم النفسي.

يبيّن الانتشار الواسع لنماذج اللغة الكبرى، مثل ChatGPT وGemini  وClaude، تحوّلًا نوعيًا في طبيعة العلاقة بين المتعلم والتكنولوجيا، حيث لم تعد هذه النماذج تقتصر على تقديم المعلومات، بل أصبحت قادرة على محاكاة الحوار الإنساني وإظهار أنماط لغوية توحي بالتعاطف والدعم النفسي. ويثير هذا الواقع مخاوف تربوية متزايدة حول حدود الدور الذي ينبغي أن تؤديه هذه النماذج، خصوصًا عندما يلجأ إليها الطلاب في حالات القلق أو التوتر أو الاضطراب النفسي.

تحذّر تقارير منظمة الصحة العالمية من التعامل مع أدوات الدعم النفسي الرقمية، بما فيها الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، باعتبارها بديلًا عن المختصين في الصحة النفسية. وتشير المنظمة إلى أن هذه الأدوات تفتقر إلى الفهم السياقي العميق، ولا تتحمّل أي مسؤولية أخلاقية أو قانونية في حال تقديم إرشادات خاطئة أو غير مناسبة.

تكشف دراسات حديثة عن تنامي ظاهرة الاعتماد النفسي لدى بعض المستخدمين، ولا سيما من فئة الشباب، على أنظمة الذكاء الاصطناعي، نتيجة ما توفره من استجابات فورية وغير مشروطة، وخالية من الأحكام الاجتماعية المباشرة. ويشير التقرير الصادر في العام 2021 عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)  إلى أن هذا الاعتماد قد يؤدي، في حال غياب الإشراف التربوي، إلى إضعاف المهارات الاجتماعية والحد من قدرة الأفراد على طلب المساعدة الإنسانية الفعلية.

تسلّط الأبحاث النقدية في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الضوء على إشكالية إسقاط مفاهيم إنسانية، مثل العلاج والتعاطف والمعاناة النفسية، على أنظمة لا تمتلك وعيًا أو تجربة ذاتية. ويوضح الفيلسوف لوتشيانو فلوريدي أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وعي الآلة، بل في الوهم الذي قد يتكوّن لدى المستخدمين حول امتلاك هذه الأنظمة لقدرات إنسانية، مما يربك الحدود بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي.

تثير فكرة “لمعالج الاصطناعي” إشكالية تربوية مضاعفة عند التعامل مع الأطفال والمراهقين، إذ تنبّه اليونسكو إلى مخاطر تعريض الفئات العمرية الناشئة لتفاعلات رقمية غير خاضعة للرقابة، قد تؤثر في نموهم العاطفي وتشكّل تصوراتهم عن الذات والعلاقات الإنسانية.

تستدعي هذه التحولات إعادة تعريف دور المؤسسات التربوية، بحيث لا يقتصر على إدماج التكنولوجيا في التعليم، بل يشمل بناء وعي رقمي نقدي لدى المتعلمين، يمكّنهم من التمييز بين الدعم الإنساني الحقيقي والمحاكاة الخوارزمية. ويؤكد باحثو التربية الرقمية أن تعليم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي يجب أن يُدمج ضمن المناهج التعليمية بوصفه جزءًا أصيلًا من التربية المعاصرة، لا كمجرد نشاط تكميلي.

تقود هذه المعطيات إلى ضرورة صياغة سياسات وطنية واضحة تنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، وتضع ضوابط دقيقة لاستخدامه في مجالات الدعم النفسي، مع التأكيد على مركزية الدور الإنساني للمعلم والمرشد التربوي. وتوصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة داعمة للعمل التربوي، لا بديلًا عنه.

تخلص القراءة التحليلية إلى أن التربية الرقمية في زمن “المعالج الاصطناعي” لم تعد خيارًا تقنيًا، بل أصبحت ضرورة أخلاقية وتربوية ملحّة، تهدف إلى حماية المتعلم، وصون إنسانيته، وضمان ألا تتحول الخوارزميات من أدوات مساعدة إلى مصادر تضليل أو هيمنة رمزية. ويظل الرهان الحقيقي معقودًا على وعي تربوي ناقد، يدرك حدود الذكاء الاصطناعي بقدر ما يستثمر إمكاناته في خدمة الإنسان والمجتمع.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *