كتبت صحيفة “النهار”: ما أقدم عليه “حزب الله” فجر البارحة تجاوز الانتحار الذاتي الذي سبق لمعظم الفئات والجهات والأفرقاء الداخليين والخارجيين أن حذروه من ارتكاب الخطأ القاتل الذي سيتعرض له من جرائه، بل هو هذه المرة جرّ بيئته الشعبية والمناطقية برمتها ومعها كل لبنان إلى أخطر النهايات التي تتربّص به. أثبت هذا الحزب مجدداً الخطورة القصوى التي ترتبت على زجّه لبنان مجدداً في جحيم حربي قدّم ذريعته القاتلة لإسرائيل، وهي خطورة تفلت أحكامه السيطرة على هامش ضئيل من “لبننة” خياراته وارتباطه ورضوخه بالكامل لأوامر وسياسات الحرس الثوري الإيراني، الذي ما إن حرّك أذرعه في المنطقة حتى تورّط حزبه في لبنان في إرسال ستة صواريخ في اتجاه شمال إسرائيل، وأيضاً تجاوز النطاق القريب وإقحام تورّطه نحو قبرص، حيث كشف أنه يقف وراء إرسال مسيّرة لاستهداف قاعدة اكروتيري البريطانية. تجاوزت المغامرة الأخيرة للحزب كل الحسابات في لحظة تفجّر الحرب الكبيرة بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فارتكب معصية مصادرة قرار الحرب والسلم مجدداً واستدرج إسرائيل إلى الشروع منذ البارحة في حرب الردّة الشاملة عليه بعنف بالغ. والأقسى في المشهد تمثّل في تسبّب الحزب في إحدى أكبر عمليات تهجير عشرات بل مئات ألوف الجنوبيين مجدداً، الذين كان مشهد أرتال السيارات بين الجنوب وبيروت الشاهد الأقسى والأشرس على تداعيات الجنون الذي وقف وراء انزلاق الحزب تكراراً إلى هذه المتاهة القاتلة.
ولكن النقطة اللافتة في سياق تطورات اليوم الأول من الحلقة الحربية التي استدرجها الحزب، برزت مع إجماع لبناني قلّ نظيره وقف وراء قرار مفصلي لا يقل أهمية عن قرار حصرية السلاح، إذ شكّل قرار مجلس الوزراء مفترقاً بالغ الأهمية لجهة نزع الشرعية نهائياً عن الجسم العسكري والأمني لـ”حزب الله” وتصنيفه خارجاً على القانون ومطالبته بتسليم سلاحه وتكليف الجيش بتنفيذ القرار، الأمر الذي يطرح فوراً معادلة التزام تنفيذ هذا القرار لكي تكتسب الدولة الصدقية الداخلية والخارجية وتتمكن من استعادة دعم أميركي ودولي لإقناع إسرائيل بعدم المضي بعيداً في ردّها إلى حدود عملية برية تعيد احتلال الشريط الحدودي كما تردّد على نطاق واسع.
فبعد جلسة طارئة عقدها مجلس الوزراء في قصر بعبدا، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام “أن مجلس الوزراء، تطبيقاً للدستور ووثيقة الوفاق الوطني والبيان الوزاري للحكومة، وبعد رفضه وإدانته عملية إطلاق الصواريخ التي تبناها “حزب الله” بما يتناقض مع حصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية وحدها دون سواها، كما يتناقض مع رفض زجّ لبنان في الحرب الإقليمية الدائرة، ويشكّل خروجاً على مقررات مجلس الوزراء وتخطياً لإرادة أكثرية اللبنانيين بما يُقوّض مصداقية الدولة اللبنانية. قرر المجلس، أولاً: تُعلن الدولة اللبنانية رفضها المُطلق بما لا يَقبل أي لبس أو تأويل لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسساتها الشرعية، وتؤكد أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيدها، ما يستدعي الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة، باعتبارها خارجة عن القانون وإلزامه بتسليم سلاحِه إلى الدولة اللبنانية وحَصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وذلك بما يُكرّس حصرية السلاح بيد الدولة ويعزّز سيادتها الكاملة على امتداد أراضيها. وهي تَطلب من الأجهزة العسكرية والأمنية كافة اتخاذ الإجراءات الفورية تنفيذاً لما ورد أعلاه ولمنع القيام بأي عملية عسكرية أو إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة من الاراضي اللبنانية، وتوقيف المخالفين وفقاً لما تفرضه القوانين والأنظمة المَرعية الإجراء. ثانياً: الطلب من قيادة الجيش المباشرة فوراً وبحزم، بتنفيذ الخطة التي عرضتها في جلسة مجلس الوزراء تاريخ 16-2-2026 في شقّها المُتعلق بحصر السلاح شمال نهر الليطاني، وذلك باستعمال جميع الوسائل التي من شأنها ضمان تنفيذ الخطة”.
أما رئيس الجمهورية جوزف عون، فقال خلال الجلسة: “لا نسعى إلى مواجهة مع حزب الله ولا نقبل التهديد بالحرب الأهلية، وما جرى من إطلاق صواريخ ليس مقبولاً ولا نزال نعطي الذريعة لإسرائيل”، مضيفا “حزب الله يتحمل مسؤولية ما فعله لا اللبنانيين”.
وتضاربت المعلومات في شأن موقف حركة “أمل”، علماً أن أي انسحاب لوزراء الثنائي لم يحصل، بينما نقلت وسائل إعلام عن مصادر رئيس مجلس النواب نبيه برّي، قولها إن هناك صدمة لديه من تصرّف “حزب الله”، ولكن بري رفض التعليق على التطورات. وأشارت معلومات إلى تباين حصل بين رئيس الحكومة وقائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال النقاش الذي سبق اتخاذ القرار.
كما أفيد أن سفراء اللجنة الخماسيه سيزورون اليوم رئيس الجمهورية لتقديم الدعم لقرار الحكومة.
وبدا بارزاً تشكّل إجماع قيادي سياسي عريض حول قرار الحكومة، إذ وصفه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع بأنه “خطوةً إضافيةً على طريق قيام الدولة الفعلية”، مشدداً على تنفيذه. كما اعتبره رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل “خطوة تاريخيّة في الاتجاه الصحيح، ويجب أن تُستكمل بقرارات أخرى كإعلان حالة الطوارئ ونشر القوى العسكرية والأمنية على كامل الأراضي اللبنانية”. وأعلن رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل دعمه “لتوجّهات رئيس الجمهورية جوزف عون وتأييده قرارات مجلس الوزراء الرامية إلى تجنيب لبنان الانخراط في حرب لا علاقة له بها”. وأيّد الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط القرار الممتاز، وقال “إن الشيخ نعيم قاسم يتصرّف بأمر إيراني على حساب لبنان”.
غير أن المفارقة اللافتة تمثّلت في ما رافق المعلومات الإسرائيلية عن اغتيال رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد طوال ساعات النهار حتى المساء. إذ وزع إعلام الحزب بياناً باسم رعد تضمّن رداً على تصريح الرئيس نواف سلام، وفيه “إننا لا نرى موجباً أن يتّخذ الرئيس سلام وحكومته قرارات عنترية ضد اللبنانيين الرافضين للاحتلال”، مبرراً “ردة فعل حزب الله إزاء التمادي الصهيوني في الاعتداء على أحرار وشرفاء الناس وحلفائهم في لبنان والمنطقة”.
أما المشهد الميداني، فاستعاد فصول حرب الـ66 يوماً السابقة في ظل سلسلة غارات عنيفة استهدفت فجراً الضاحية الجنوبية لم تسبقها إنذارات بالإخلاء، والجنوب بعد إنذارات بإخلاء 53 بلدة. وواصل الجيش الإسرائيلي تصعيد عملياته، فاستهدفت غاراته وإنذاراته معظم قرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، مع إعلانه عزمه ضرب فروع “القرض الحسن” بدأ باستهدافها بعد الظهر. وبينما تحوّل أهالي هذه القرى إلى نازحين واصطفوا في أرتال طوابير طويلة على الطرق هرباً من الغارات، استهدفت غارات إسرائيلية الضاحية الجنوبية وتحديداً منطقة حي ماضي وبرج البراجنة بغارات عنيفة جداً. وأعلن الجيش الإسرائيلي بعد الظهر اغتيال مسؤول هيئة الاستخبارات في تنظيم “حزب الله” حسين مقلد. وكان الجيش الإسرائيلي أعلن فجراً عن “عملية دقيقة استهدفت قيادات بارزة في حزب الله في منطقة بيروت”، وتحدثت المعلومات لاحقاً عن اغتيال النائب محمد رعد في الغارات الإسرائيلية قبل صدور بيان بإسمه مساء. كما أعلن مكتب العلامة السيد علي فضل الله مقتل الدكتور السيد محمد رضا فضل الله شقيق الراحل السيد محمد حسين فضل الله وزوجته في الغارة التي استهدفت حارة حريك.
بعد الإنذارات، شنّ الجيش الإسرائيلي غارات عنيفة على الضاحية الجنوبية ثم على مبانٍ للقرض الحسن في صور والنبطية وبنت جبيل وأوتوستراد حبوش- النبطية وتول، وبقاعاً، استهدفت مسيّرة فرع القرض الحسن في عين بورضاي بجوار مدينة بعلبك ومبنى القرض الحسن في بدنايل، وأخرى في حوش الغنم– البقاع . ومساءً تجددت الغارات العنيفة على الضاحية وتحدثّ الجيش الإسرائيلي عن استهداف “شخصية كبيرة في بيروت”. وأفاد الإعلام الإسرائيلي أن المستهدف هو المسؤول عن التنسيق والاتصالات بين “حزب الله” وفيلق القدس.
وزارة الإعلام اللبنانية