كتبت صحيفة “الديار”: تنفست المنطقة الصعداء موقتا، بعد الاعلان عن مفاوضات اميركية – ايرانية في تركيا الجمعة المقبل. لكن هل ابتعد «شبح» الحرب؟ لا يمكن الجزم بذلك، لان تعقيدات المشهد على اكثر من صعيد عسكري وديبلوماسي، تجعل كل الاحتمالات متساوية، مع رجحان كفة التصعيد العسكري، الذي تدفع اليه «اسرائيل» بكل قوة، باعتبار ان الفرصة المتاحة بجذب الاهتمام الاميركي نحو اولوية اسقاط النظام الايراني، قد لا تتكرر بهذا الزخم مرة ثانية.
فاذا كانت الحشود الاميركية للضغط على طهران، للحصول على تنازلات في الملف النووي، والقدرات الصاروخية، وما تسميه «بالاذرع» في المنطقة، فان الجواب الايراني وصل مسبقا، لا مرونة الا في مسألة التخصيب، وغيرها من المواضيع غير قابل للنقاش اصلا، خصوصا مديات الصواريخ الباليستية، والفرط صوتية. فماذا سيقدم الايرانيون، في وقت يطالب الرئيس الاميركي بتنازلات ملموسة تبريرا لتراجعاته؟
وبانتظار الاجوبة، وفي ظل هذا السباق المحموم بين التسوية والمواجهة، تتزايد الهواجس اللبنانية، مع تعمد قوات الاحتلال الاسرائيلي زيادة الضغط الميداني بغارات عنيفة، تستهدف قرى شمال الليطاني، وتوسيع نطاق قصف قرى الحافة الامامية. وجديدها الاستهداف الاول بالامس لاماكن ماهولة في بلدة بليدا، في وقت يجري قائد الجيش العماد رودولف هيكل محادثات حساسة للغاية في الولايات المتحدة.
فيما تزداد الشكوك باجراء الانتخابات النيابية في موعدها المحدد في ايار المقبل، في ظل مؤشرات على عدم وجود حماسة لدى اكثر من طرف خارجي باجرائها، ربطا بحظوظ نجاح نواب «الثنائي الشيعي».
ما هي الانعكاسات لبنانيا؟
الانتظار اللبناني لمآلات الوضع الإقليمي، لا يمكن فهمها انطلاقا من معادلة ان الاتفاق يريح الساحة اللبنانية، اما الحرب فتعني حكما انه سيكون ساحة لها. ووفق مصدر ديبلوماسي، ثمة جهود اوروبية – عربية مشتركة تبذل مع واشنطن، لابعاد لبنان عن التداعيات المحتملة لفشل او نجاح التسوية.
ووفق المعلومات الخشية كبيرة لدى المصريين والفرنسيين، من نوايا رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو حيال الجبهة اللبنانية. وهو اذا كان يدفع باتجاه ان تقوم الادارة الاميركية بضربة ساحقة للنظام الايراني، يراهن على الحصول على «ضوء اخضر» اميركي للتصرف على نحو اكثر عنفا مع حزب الله، باعتبار ان التراجع مرحليا عن توجيه ضربة لايران، في حال الحصول على اتفاق جزئي يقتصر مرحليا الملف النووي، لا يجب ان يشمل «الاذرع» في المنطقة.
وفي حال تحييدها، ستكون الفرصة مؤاتية للتعامل مع الملفات الاخرى، وهو يستمر في محاولة اقناع الرئيس ترامب بضرورة توجيه ضربة قاسمة لليمن، باعتباره خطرا استراتيجيا، فيما تتولى «اسرائيل» مهمة اخضاع حزب الله في لبنان، هذا ما نقله رئيس «الموساد» دايفيد برنياع، ورئيس الاركان ايال زامير الى العاصمة الاميركية، وسيكون الملف الايراني، ومعه ملفات المنطقة الساخنة، محورالمحادثات مع المبعوث الاميركي ستيف ويتكوف، الذي يزور «اسرائيل» حيث يلتقي اليوم نتانياهو، وقيادات امنية وعسكرية.
السباق محموم مع الوقت
ووفق تلك الاوساط، يخوض الوسطاء سباقا مع الوقت، للحصول على ضمانات اميركية لم يحصلوا عليها، بسبب الضغوط الاسرائيلية المكثفة. ولهذا انتقل الضغط على الجانب اللبناني، حيث طالب الفرنسيون والمصريون، ومعهم القطريون ومن خلفهم السعوديون، من المسؤولين اللبنانيين تقديم المزيد من مبادرات «حسن النية» للاميركيين في هذه الاوقات «الصعبة والمعقدة»، وسيكون شهر شباط ومطلع آذار حاسمين وشديدا الحساسية، ربطا بتقرير الجيش حول مراحل تنفيذ خطة حصر السلاح، لا «الاحتواء» في شمال الليطاني.
وستكون زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل باروا الى بيروت يوم الجمعة، مخصصة لمناقشة مؤتمر دعم الجيش المزمع عقدها في باريس مطلع آذار، لكنها ستكون مناسبة للتأكيد بان حجم المساعدات مرتبط بخطوات عملية شمال الليطاني.
فيما يرتقب ان تتركز الضغوط الاميركية بعد عودة السفير الاميركي ميشال عيسى من القاهرة، على تسييل نتائج اجتماعه الاسبوع الماضي في الاردن مع السفير الاميركي في «اسرائيل»، وتريد واشنطن موافقة لبنانية على المشاركة بمفاوضات سياسية ثلاثية بمشاركة اميركية –اسرائيلية، للبحث في كيفية التقدم على مستوى العلاقات اقتصاديا وسياسيا، توازيا مع لجنة «الميكانيزم»، التي ستصبح عسكرية حصرا.
ويبقى السؤال هل بامكان لبنان التمسك بشرط حصول خطوات اسرائيلية تنفيذية لاتفاق وقف النار قبل اي خطوة جديدة؟ ام يرضخ للضغوط ؟ الايام المقبلة ستحمل الاجابة بحسب تلك الاوساط، التي لفتت الى ان حزب الله استبق احتمال تراجع الحكومة عن موقفها، بالهجوم الحاد على السفير السابق سيمون كرم، في موقف واضح يعكس نية لدى الحزب، لرفع مستوى اعتراضاته على خطوة مماثلة.
هيكل لعدم وضع مهل زمنية!
في هذا الوقت، يواصل قائد الجيش العماد رودولف هيكل زيارته الى واشنطن، ويلتقي اليوم رئيس هيئة الاركان الاميركية المشتركة الجنرال دان كاين، لبحث التعاون العسكري الاقليمي ومكافحة التهريب، ودعم دور الجيش في حفظ الاستقرار. كما يلتقي نائب مساعد الرئيس الأميركي ومستشار مكافحة «الارهاب» سيباستيان غوركا، وكذلك مساعد وزير الحرب الاميركي لشؤون الامن الدولي دانيال زيمرمان، لبحث موقع لبنان في الاستراتيجية الاميركية في الشرق الاوسط، ويختتم يومه بلقاء الجالية اللبنانية في واشنطن…
ووفق مصادر مطلعة، تبدو المؤشرات الاولى للقاءات قائد الجيش في فلوريدا ايجابية، وقد استمع لاشادة من القيادة العسكرية الاميركية، بعد ان قدم عرضا لما قام به الجيش من خلال نحو 8500عملية في جنوب الليطاني، ويصر هيكل على التأكيد ان «اسرائيل» لا تلتزم بما تم الاتفاق عليه. ولن يتراجع هيكل عن التأكيد بان الجيش لن يذهب الى صدام داخلي، مهما بلغت الضغوط. لكن المطلوب اميركيا تكثيف الدعم اللوجستي لان المهام الموكلة للجيش اكبر من قدرته على التنفيذ، في ظل النقص الحاد في التسليح والعديد.
ولفتت تلك الاوساط، الى ان القائد سوف يلفت انتباه المسؤولين الاميركيين، انه من الحكمة عدم الضغط على المؤسسة العسكرية في مسألة حصر السلاح شمال الليطاني، وابقاء الوقت مفتوحا دون وضع سقوف زمنية محددة، كي لا يتورط الجميع «بدعسة» ناقصة، قد تتسبب بفوضى لا يمكن السيطرة عليها.
ماذا دار بين بري وسلام؟
وفي هذا السياق، ناقش رئيس الحكومة نواف سلام بالامس مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ملف اعادة الاعمار، والاستحقاق الانتخابي، وكذلك استحقاق الزيادات المفترض إقرارها للعسكريين والقطاع العام، لكن جزءا من النقاش، بحسب معلومات «الديار» تطرق الى ما اعتبره سلام عدم القدرة على المزيد من «شراء الوقت»، في ظل ارتفاع حجم الضغوطات، فيما يصر بري على ضرورة اتخاذ موقف موحد جامع،لا يؤدي الى مزيد من التوترات الداخلية، ويصر على ضرورة وقف التصعيد الاسرائيلي المتمادي، ويفترض ان تتكثف الاتصالات مع رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي انهى زيارته الى مدريد.
تأجيل الانتخابات؟
في غضون ذلك، لم يجد اقتراح القانون المقدم من قبل النائب اديب عبدالمسيح لتأجيل الانتخابات النيابية لعام واحد، اي صدى جدي بين الاوساط السياسية والنيابية الوازنة.
ووفق مصادر نيابية، لم يجد هذا الاقتراح من «يشتريه» حتى الآن، في ظل تريث واضح لدى اكثر من فريق يحاول معرفة الخلفيات الحقيقة للاقتراح، الذي يحاول من خلاله عبد المسيح ان يظهر انه «البطل» الذي يقوم بمهمة انتحارية، نيابة عن نواب لا يجرؤون حيث يجرؤ.
وعلم في هذا السياق، ان المؤشرات الاولية تشير ان الرئيس جوزاف عون ينأى بنفسه عن هذا الاقتراح، على الرغم من التصاق اسم عبد المسيح بالعهد. وقد سمع زوار بعبدا قبل زيارة الرئيس الى مدريد، انه متمسك باجراء الانتخابات في موعدها، وليس ضد اي تعديل تقني..
في المقابل، تشير اجواء «عين التينة» ان الرئيس نبيه بري متمسك باجراء الانتخابات اليوم قبل الغد، باعتبار ان مصلحة «الثنائي الشيعي» واضحة في عدم تأخير الاستحقاق، لان البيئة اليوم اكثر تماسكا بفعل الضغوط السياسية الداخلية والاعتداءات الاسرائيلية المتصاعدة.
وتلفت تلك الاوساط الى ان ثمة ضرورة لمراقبة كيفية تفاعل الكتل مع اقتراح القانون، لانه سيكون مؤشرا حول الجهة التي تقف وراءه، خصوصا ان الاميركيين والسعوديين لن يمانعوا التأجيل في حال كانت النتائج غير مضمونة، في تغيير الواقع الشيعي داخل مجلس النواب، وقد تكون فكرة التمديد للمجلس راهنا افضل..؟!
التصعيد الميداني..ورش مبيدات سامة
ميدانيا، يتواصل التصعيد الاسرائيلي شمال الليطاني وجنوبه، حيث اغارت الطائرات الحربية امس على منازل سكنية في بلدتي عين قانا، وكفرتبنيت.
وفي تطور خطير ايضا، تعرضت الاحياء السكنية المأهولة في بلدة بليدا الحدودية ل6 قذائف مدفعية، في محاولة واضحة لاجبار السكان على المغادرة، وسط قلق من توسع هذه الاستهدافات الى مناطق اوسع. كما استهدفت المدفعية الاسرائيلية اطراف بلدة رامية بعدة قذائف.
ايضا، قام جيش الاحتلال بعملية تمشيط من موقع المالكية باتجاه اطراف بلدتي بليدا وعيترون. الى ذلك، استهدفت مسيرة بعد ظهر امس سيارة من نوع جيب شيروكي، عند مفترق بلدة القليلة جنوب صور. واستهدفت غارة من مسيّرة آلية في محيط باتولية، واعلنت وزارة الصحة عن سقوط شهيد و8 جرحى جراء الغارات الاسرائيلية على بلدتي القليلة وانصارية. كما استهدفت مسيّرة اسرائيلية صباح امس سيارة بالقرب من جامعة «فينيسيا» على اوتوستراد الزهراني – صور.
وفي سياق متصل بمحاولة «اسرائيل» خلق مناطق عازلة على الحدود، كررت الطائرات الاسرائيلية رش مبيدات سامة على طول الحدود، في محاولة واضحة لتسميم المنطقة الحرجية والتربة، واجبار السكان على الرحيل. وقد حذرت قوات «اليونيفيل» من مخاطر وتأثيرات هذه المبيدات، التي تتعمد «اسرائيل» رشها على مراحل.
ارتفاع كبير في الاعتداءات
ووفقا لاحصاءات مركز «الما الاسرائيلي»، زادت الغارات الاسرائيلية الضعف خلال شهر كانون الثاني، بالمقارنة مع شهر كانون الاول 2025. ولفت المركز الى ان الشهر الماضي، نفذت الطائرات الاسرائيلية 87غارة، فيما نفذ جيش الاحتلال 40 غارة جوية في كانون الاول. وفيما شملت الاحصاءات جولات القصف وليس عدد الاهداف الفردية، توزعت الضربات في كانون الاول: 19 غارة شمال نهر الليطاني و16 جنوب النهر، و5 في منطقة البقاع.
وتركزت الغارات الشهر الماضي بمعظمها شمال الليطاني، وهو دليل موثق على ان مرحلة جديدة من التصعيد تتجه تصاعديا كما ونوعا، حيث بدأت الاستهدافات تطال القرى المأهولة، وثمة تعمد لتهجير الناس، والضغط على «بيئة» حزب الله، ودفع الحكومة اللبنانية الى الذهاب بعيدا في ملف نزع السلاح.!
عون في مدريد
على صعيد آخر،اكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، خلال محادثات أجراها مع رئيس الحكومة الاسباني بيدرو سانشيز في مدريد، أن لبنان يولي أهمية لمشاركة مدريد في مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، المقرر عقده في باريس في الخامس من آذار المقبل. كما بحث معه في رغبة إسبانيا في ابقاء وحدات من قواتها المسلحة في الجنوب اللبناني، بعد انسحاب قوات «اليونيفيل» الذي يكتمل في العام 2027، لاسيما وأن مداولات تتم بينها وبين إيطاليا والنمسا في هذا الصدد.
وشدد الرئيس عون على أهمية الدفع في اتجاه السلام العادل والشامل والدائم في منطقة الشرق الأوسط، ما يحقق حلا للقضية الفلسطينية وفق مبادرة السلام العربية المعلنة في قمة بيروت العام 2002 . واعرب عن أمله في الحصول على دعم إسبانيا، لتحقيق الشراكة الاستراتيجية والشاملة مع الاتحاد الأوروبي، وتفعيل شروط التبادل التجاري مع إسبانيا، لاسيما لجهة زيادة الصادرات اللبنانية إليها، وتقليص الفجوة في الميزان التجاري، من خلال تسهيل دخول المنتجات اللبنانية إلى الأسواق الإسبانية.
وزارة الإعلام اللبنانية