الرئيسية / صحف ومقالات / النهار: “نافذة” أميركية على الترسيم والحكومة حرف جامد!
النهار

النهار: “نافذة” أميركية على الترسيم والحكومة حرف جامد!

لعلها مفارقة لافتة وبرزت امس في خلفية المشهد السياسي الداخلي، ولم تحظ بالتدقيق الذي تستحقه، وتمثلت في ان واشنطن وموسكو الغارقتين في صراع ديبلوماسي واستخباراتي واعلامي تصاعدي حاد بينهما يذكر بالحرب الباردة، لم تبخلا على لبنان بفسحة اهتمامات ارتسمت عناوينها بين اليوم الثاني والاخير لزيارة وكيل وزارة الخارجية الأميركي للشؤون السياسية ديفيد هيل لبيروت وزيارة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في يومها الثاني لموسكو. هذا “الامتياز” اللبناني على جانبيه الأميركي والروسي اثار واقعياً نفحات جديدة من الرهانات على تحريك المسار المقفل لتشكيل الحكومة على أمل ان تفعل الضغوط الدولية، التي بلغت ذروة غير مسبوقة، فعلها في جعل الافرقاء اللبنانيين ولا سيما منهم المنخرطين في تعطيل تشكيل الحكومة يعيدون حساباتهم ويستجيبون لارادة المجتمع الدولي في استيلاد الحكومة العتيدة. ومع ذلك فان مجريات لقاءات هيل في بيروت والحريري في موسكو ستخضع لفترة رصد وتدقيق لمعرفة مدى تآثيرها على حسابات المعطلين بدفع المسار الحكومي الى التحرك مجددا. ولا يمكن وفق المعطيات المتوافرة اسباغ تفاؤل متسرع حيال أي اختراق جدي ووشيك في الانسداد السياسي، اذ ان الموفد الأميركي ابلغ المسؤولين والقادة السياسيين موقف الإدارة الأميركية من استعجال حكومة فهم انها تتقارب تماما مع مواصفات المبادرة الفرنسية، كما من إعادة مفاوضات ترسيم الحدود وفق المنطلقات الأساسية التي انطلقت على أساسها ناهيك عن الموقف الثابت من “حزب الله ” ولم ينتظر أجوبة الحكم والسياسيين لانه أدى مهمته ولم يطرح مبادرة او وساطة.
والتطور الاساسي في حصيلة جولة هيل في اليوم الثاني لزيارته برز عبر مواقفه في قصر بعبدا من ملف الحكومة والوضع المأسوي للبنان عموما كما من ملف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية اللبنانية الإسرائيلية الذي وان لم يقفله هيل على إعادة حضور الرعاية الأميركية، الا ان موقفه اتخذ دلالات بارزة لاقترانه بالموقف الأميركي التقليدي الحاد والصارم منذ أيام إدارة ترامب من “حزب الله”. وإذا كانت معلومات تشير الى ان رئيس الجمهورية ميشال عون استشعر بعلامات إيجابية ومريحة له من موقف هيل حيال عدم امتناع ادارته عن المضي في رعاية مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، كما من عدم ممانعته الاستعانة بخبراء دوليين، فان ذلك لم يخف معالم الحرج الذي استشعرته بعبدا وحلفائها جراء الهجوم العنيف الذي خص به هيل “حزب الله ” من بعبدا بالذات بما فسر بانها رسالة أميركية مزدوجة لعون والحزب معاً. كما ان الحرج نفسه برز في ملف الحكومة اذ رغم تخصيص هيل معظم بيانه لاعادة تحديد موقف بلاده الصارم من تشكيل حكومة تطلق المسار الإصلاحي، فان بيان بعبدا انحصر بموضوع المفاوضات وتجاهل تماما أي ذكر لملف تشكيل الحكومة.

ملف المفاوضات
ووفق بيان المديرية العامة لرئاسة الجمهورية شدد رئيس الجمهورية على “أهمية الاستمرار في مفاوضات ترسيم الحدود واستكمال الدور الأميركي من موقع الوسيط النزيه والعادل ومع تأكيد أسس انطلاق المفاوضات، اعتبر عون أنه يحق للبنان أن يطور موقفه وفقا لمصلحته وبما يتناسب مع القانون الدولي ووفقا للأصول الدستورية. وطالب باعتماد خبراء دوليين لترسيم الخط وفقا للقانون الدولي والتزام عدم القيام بأعمال نفطية أو غازية وعدم البدء بأي أعمال تنقيب في حقل كاريش وفي المياه المحاذية”.
وإذ حرص هيل على إعادة تكرار دعوته الى تشكيل “حكومة مستعدة وقادرة على العمل على عكس مسار الانهيار الجاري”. اعلن بوضوح ان “اولئك الذين يواصلون عرقلة تقدم أجندة الإصلاح، يغامرون بعلاقتهم مع الولايات المتحدة وشركائها ويعرضون أنفسهم للاجراءات العقابية أما الذين يعملون على تسهيل التقدم، فيمكنهم الاطمئنان لدعمنا “. واعلن أن “تكديس حزب الله للأسلحة الخطرة والتهريب والأنشطة غير المشروعة والفاسدة الأخرى يقوض مؤسسات الدولة الشرعية… وإيران هي التي تغذي وتمول هذا التحدي للدولة وهذا التشويه للحياة السياسية اللبنانية ” .وفي موضوع المفاوضات قال” أن أميركا تقف على أهبة الاستعداد لتسهيل المفاوضات بشأن الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل على الأسس التي بدأناها في هذه المباحثات… ويمكن، عند الاقتضاء، استقدام خبراء دوليين للمساعدة في اطلاعنا جميعا”.
والتقى هيل لاحقا رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب ورئيس حزب القوات اللبنانية سميرجعجع في معراب والبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في بكركي ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل في السفارة الأميركية وختم زيارته مساء بتلبية دعوة رئيس “حركة الاستقلال” ميشال معوض الى مأدبة عشاء في حضور شخصيات. وأفادت معلومات ان هيل استمع من البطريرك الراعي الى شرح مفصل حول طرحه للحياد والمؤتمر الدولي وضرورة الا تأتي الحلول نتيجة المفاوضات في المنطقة على حساب لبنان ، كما سلم الى هيل مذكرة تضمنت هذه المواضيع بالإضافة الى موضوع النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين .

الحريري وبوتين
في المقابل حضر الوضع في لبنان والمنطقة في الاتصال الهاتفي الذي حصل بين الرئيس سعد ‏الحريري والرئيس الروسي فلاديمير بوتين من مقر الضيافة التابع لوزارة الخارجية الروسية عبر تقنية الترجمة الفورية واستمر خمسين دقيقة. وتركز الاتصال الذي وصفته مصادر الوفد اللبناني بالممتاز على موضوع الأزمة الحكومية في لبنان، وتم التشديد خلاله على ضرورة تشكيل الحكومة الجديدة بأسرع وقت ممكن. كما تطرق البحث إلى آفاق التعاون بين لبنان وروسيا في مجال مكافحة جائحة كورونا وإمكانية تزويد روسيا لبنان كميات من اللقاح اللازم. وتم التفاهم على مواصلة البحث بين الجانبين الروسي واللبناني للاستفادة من الدعم الروسي للبنان في مختلف المجالات وتسهيل الأرضية أمام الشركات الروسية للاستثمار في لبنان والشركات اللبنانية للاستثمار في روسيا.‏
واجرى الحريري بعد الظهر محادثات مع رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين في مقر رئاسة الوزراء الروسية اكد خلالها رئيس الوزراء الروسي “استعدادنا للقيام بما يلزم لتطوير العلاقات في مختلف المجالات في المرحلة المقبلة، بما يخدم مصلحة شعبينا”.
ورد الرئيس الحريري بكلمة شكر فيها رئيس الوزراء الروسي على استضافته واكد ان ” لبنان اليوم يعيش في ضائقة اقتصادية واجتماعية وصحية صعبة جدا، زادها وطأة تفشي فيروس كورونا، ونحن نأمل منكم مساعدة لبنان في تأمين اللقاح الروسي الذي أثبت فعاليته، للبنانيين والمقيمين، خاصة وأنه لدينا كما تعلمون نحو مليون ونصف المليون لاجئ”. وأضاف: “صعوبة الوضع الآن هي في تشكيل حكومة من الأخصائيين لكي نقوم بكل الإصلاحات المطلوبة. ولكن حين نشكل الحكومة ونجري الإصلاحات اللازمة، نريدكم أن تعلموا أننا نرغب برؤية كل الشركات الروسية تأتي إلى لبنان لكي تستثمر فيه في المرافق الموجودة، سواء الكهرباء أو المرافئ أو الطرق أو كل ما يتعلق بالبنى التحتية”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *