الرئيسية / صحف ومقالات / الأخبار : اليرزة وبعبدا: حسابات السياسة والأمن على خطّ الرئاسيات
الاخبار

الأخبار : اليرزة وبعبدا: حسابات السياسة والأمن على خطّ الرئاسيات

قد يكون تعيين مدير للمخابرات أمراً عادياً في أي جيش. في لبنان كل ما ‏يتعلق بقيادة الجيش يصبح له منحى آخر، وحسابات سياسية تتقاطع أيضاً ‏مع بدء السنة الخامسة من عهد رئيس الجمهورية. لذا تصبح لأي خطوة ‏عسكرية مدلولات تتعلّق بالرئاسيات

نهاية الأسبوع الأول من كانون الأول المقبل، تنتهي ولاية مدير المخابرات في الجيش العميد طوني منصور. وفي ‏الوقت نفسه، يبدأ العميد طوني قهوجي مهامّه مديراً جديداً للمخابرات، وهو “المدير” الثاني الذي يُعَيّن في عهد قائد ‏الجيش العماد جوزف عون، وفي عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. أمام قهوجي سنَتان، مبدئياً، في المديرية، ‏قبل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية وانتخاب رئيس جديد، الذي عادة يختار قائداً جديداً للجيش، علماً أن أمام عون أيضاً ‏مهلة ثلاث سنوات وشهرين قبل أن تنتهي سنوات خدمته، والأخير يختار فريقه بدءاً من مدير المخابرات، أو يُبقي ‏الأخير في موقعه بحسب الظروف. وأمام قهوجي سبع سنوات في الخدمة الفعلية، إما مديراً للمخابرات أو في أي ‏منصب آخر يتناسب مع تطورات المرحلة. في الأيام الأولى، أمامه أسماء عدة لملء عدد كبير من المراكز، التي ‏يفترض إجراء تعيينات فيها، على أن يتشاور فيها مع قائد الجيش، لقيادة فريق يتناسب معه، ومع التراتبية المستجدّة ‏بعد اختياره من دورة 1994‏‎.‎

رسمياً، طُويت أسئلة مثل لماذا رُفض التمديد لمنصور، ولماذا اختير قهوجي لا المرشحون الآخرون، بصرف النظر ‏عن كفاءة كلّ منهم، وعما إذا كانت سنّه تؤهله لتولي هذا المنصب، علماً أن تعيين عمداء لهذا المنصب لم يكن معمولاً ‏به قبل الطائف، بل كان يتولاه ضباط برتب أدنى (جوني عبدو وغابي لحود كانا ملازمين حين تولى كل منهما ‏المديرية). لكن تفاعلات الاختيار ورفض التمديد ستبقى قائمة في السنتين المقبلتين على الأقل، نظراً إلى طبيعة ‏المرحلة المقبلة التي تعني عملياً بداية العدّ العكسي لانتخابات الرئاسة أو الفراغ الرئاسي الذي بات عادة لبنانية. لأن ‏التبعات السياسية هي أولاً وآخراً محور كل ما جرى قبل أسابيع وسيبقى قائماً‎.

رهان خاطئ على ذبذبة في الجيش‎
من غير المُجدي القول بأن التحالف قد فُكّ بين قيادة الجيش ومديرية المخابرات، بمجرد عدم التمديد لمنصور. في ‏الجيش تراتبية ورأس هرم واحد، هو قائد الجيش، بصرف النظر عمّن هو ومن هو فريقه الخاص، وهل يتمتع بإدارة ‏حسنة وكفاءة أم لا. صحيح أن خيار قائد الجيش هو التمديد لمنصور، لكنه هو من وضع لائحة أسماء مرشحي خلافته ‏وفق تراتبيات ومعايير معيّنة، ولم يكن ممكناً اختيار أي ضابط من غير اللائحة، حتى لو اقتضى الأمر التشاور مع ‏رئيس الجمهورية. ومن يعرف تركيبة مديرية المخابرات يعرف أيضاً أن هامش حرية مديرها كبير، ولكنّه أيضاً يقف ‏عند حدود العلاقة مع القيادة والتوقيع الأخير الذي يملكه قائد الجيش. ومن يعرف قهوجي يعرف أيضاً مدى أهليّته ‏وكفاءته وانضباطه وخبرته التقنية في المديرية في ظل أكثر من مدير، وسيكون مخطئاً أيضاً من يراهن على أنه ‏سيشكل حالة منفصلة عن قيادة الجيش، ولأنه أيضاً ابن المؤسسة والمديرية ويعرف تماماً كل ما أحاط بها في السنوات ‏الأخيرة. واختيار رئيس الجمهورية العماد ميشال عون له، وعلاقته به، ليسا نقطة ضعف بل العكس تماماً، وستعكس ‏الأشهر المقبلة ذلك‎.

ثانياً، لم يكن اختيار منصور قبل أربع سنوات لمديرية المخابرات، مفاجئاً لا لعارفيه ولا لضباط رافقوه منذ التسعينيات ‏ولا للعاملين معه في المديرية. هو ليس ابن المؤسسة بالمعنى الفعلي فحسب، إنما أيضاً ابن المديرية التي قضى فيها ‏معظم سنوات خدمته، مع أسلافه العمداء جورج خوري وإدمون فاضل وكميل ضاهر. وهو هنا يلتقي مع اختلاف ‏المهام والرتب وسنوات الخبرة والأقدمية، مع قهوجي. ومنصور الذي قضى منذ التسعينيات خدمة لا شائبة فيها، ‏اختاره قائد الجيش بالتوافق التام مع رئيس الجمهورية وخلافاً لرغبة كثر من المحيطين بالأخير، من عائلته ومن ‏خارجها الذين كانوا يريدون مديراً أكثر طواعية، وأقل التصاقاً وتضامناً مع قائد الجيش. وهنا يكمن أحد أسباب رفض ‏التمديد ليس لأسباب قانونية أو مبدئية يتمسك بها رئيس الجمهورية، الذي مدّد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ‏ولرئيس مكتب المعلومات في الأمن العام العميد منح صوايا‎.

تشكل مديرية المخابرات عادة الذراع السياسية لأي رئيس للجمهورية، وهي تمكّنت مع قيادة الجيش من أن تشكل مظلة ‏حماية له، ليس قبل الحرب، بل بعدها، وفي ظل الوجود السوري (رغم تغيّر طبيعة مهامها) وصولاً إلى المرحلة التي ‏تلت خروج الجيش السوري. حين انتُخب عون رئيساً، بعد مرحلة فراغ رئاسي، كان هدفه الأول تطبيق رغبته المزمنة ‏بالإطاحة بقائد الجيش العماد جان قهوجي الذي كانت مُدّدت ولايته، وكان يشكل منافسة رئاسية قوية له، مثله مثل ‏مدير المخابرات إدمون فاضل الذي كانت العين الأميركية ساهرة عليه. جاهر عون مرات عدة برفضه التمديد لقهوجي ‏وبرغبته باختيار قائد للجيش ومدير مخابرات مقرّبين منه. طرح العميد شامل روكز لدى بعض الأوساط العونية، ‏وليس التيار في حد ذاته، قبل أن يحال الأخير على التقاعد، قبل انتخاب عون. لكن التيار كقيادة لم يكن مؤيداً، كما لم ‏يكن مؤيداً لاختيار جوزف عون ومنصور. في هذه النقطة، فضّل رئيس الجمهورية مصلحة المؤسسة، باختيار ‏ضابطين يعرفهما ويعرف خبرتهما وعملهما جيداً منذ أن كان قائداً للجيش. إصرار عون قوبل بتدخل سياسي لدى ‏التيار لعدم عرقلة التعيينات، وبدأت مرحلة جديدة من محاولات تنسيق رافقتها تدريجاً حملة تطويق داخلية، سواء من ‏داخل القصر الجمهوري أو عبر وزارة الدفاع، مع سعي مستشارين أمنيين ووزراء أو رئاسة التيار، إلى فرض إيقاع ‏جديد، مواربة من غير المرور بقيادة الجيش أو مديرية المخابرات. هذا التدخل ظل خجولاً في البدايات. لأن الحاجة ‏إلى الاستقرار وإعطاء صورة ناصعة للعهد في أول شهور حكمه ظلت طاغية، تصاحبها فرحة جوٍّ عونيّ عسكريّ ما، ‏باستعادة النفوذ من بعبدا إلى اليرزة، للمرة الأولى منذ التسعينيات‎.

كان حضور رئيس الجمهورية قوياً في اليرزة، يحضر مناسبات ويطل في زيارات يستعيد فيها دوره قائداً أعلى للقوات ‏المسلحة. قمة التنسيق كانت معركة فجر الجرود، وملف مكافة الإرهاب. هذا الإنجاز الحقيقي للعهد، وقد قدّمته له قيادة ‏الجيش ومديرية المخابرات، حين أتى إلى مقر العمليات معلناً بدء المعركة. هذا الإنجاز الذي تعتدّ به المؤسسة ‏العسكرية، لم يكن معزولاً عن مسار وضعته مديرية المخابرات منذ أربع سنوات لمحاربة التنظيمات الإرهابية. أي ‏لقاء مع المديرية كان يبدأ وينتهي بملف الإرهاب والموقوفين والشبكات المفكّكة. وسجلّ المديرية بشأن الإنجاز، يعني ‏عملياً على الأرض وليس على الورق، أن هناك جهداً عسكرياً ومخابراتياً، وعلى أساسه يكمن تعزيز مواردها ‏وخبراتها. هنا يدخل الدور الأميركي. الجيش يفنّد الدعم الأميركي منذ الاستقلال إلى اليوم، ما خلا مرحلة الوجود ‏السوري، حيث تراجع كمساعدات وهبات، لكن ظلت الروابط قائمة. بعد عام 2005، ارتفع مستوى التنسيق، من ‏مساعدات عينية ودورات تدريب وأسلحة، واتخذ أهمية كبرى، بعد الحرب في سوريا وتصاعد العمليات الإرهابية ‏ومع معركة الجرود وبعدها لتفكيك خلايا وتبادل معلومات. وما تقرّره الإدارة الأميركية بشقَّيها السياسي والعسكري، ‏يصل إلى الجيش عينياً، بحسب المتطلبات والحاجات، لدى الأجهزة والفروع من دون استثناء، وكلها بمعرفة السلطات ‏السياسية كافة التي توافق عليها، (ويخطئ من يعتقد أن حزب الله لا يعرف كل ذلك)، وإن كانت أحياناً تعطي موافقة ‏عامة من دون الدخول في تفاصيل التفاصيل. كذلك الأمر بالنسبة إلى كل ما يُنفذ من أعمال على الحدود مع سوريا. كل ‏شيء يمر عبر موافقة السلطات الرسمية ومعرفة القيادة العسكرية “وحدها” بكل ما يجري ويرتبط مباشرة بغرفة ‏العمليات، بعد مروره بغرفة عمليات الأفواج المكلّفة مسك الحدود. هذا يعني أن هذا التنسيق كان وسيبقى، ما لم تتخذ ‏السلطات السياسية قراراً في اتجاه آخر، وهو هنا لا يتعلق بأدوار وأشخاص، بل بدورات وهبات ومساعدات ساهمت ‏في تعزيز خبرات الجيش أمنياً وعسكرياً واستخباراتياً. وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى شبك علاقات أميركية مع الجيش، ‏والمخابرات جزء أساسي منه. لمّح الأميركيون إلى خيار بقاء مدير المخابرات في منصبه، الذي صودف أيضاً مع ‏العقوبات الأميركية على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، ما استنفر العصبيات وجعل رفض التمديد أمراً ‏طبيعياً أيضاً. من دون أن يعني ذلك أن التنسيق الأميركي لن يكون على المستوى نفسه مع المدير الجديد. من الوهم ‏اعتبار غير ذلك‎.

من فجر الجرود إلى قبرشمون والتظاهرات‎
لم يدم شهر العسل بين القصر الجمهوري والتيار الوطني والجيش. في الظاهر الانفصال وقع في 17 تشرين الأول، مع ‏بدء التظاهرات وإحجام الجيش عن الضرب بقوة، وإن استخدمها أحياناً لتفريق التظاهرات ومنع قطع الطرق. أما ‏الحقيقة فهي أنه بدأ قبل ذلك، منذ الانتخابات النيابية وقبل حادثة قبرشمون وبعدها حين كثر الكلام في الكواليس عن ‏انتقاد قائد الجيش وأدائه وعن ضرورة تغيير مدير المخابرات وطرح أسماء لخلافته. هناك فرق بين أن تكون ‏المخابرات أو الجيش أداة رئيس الجمهورية أو أن يكونا أداة حزبه وتياره. رئيس الجمهورية في أحيان كثيرة كان يميز ‏بين الأمرين، لأنه خارج من رحم هذه المؤسسة. لكن أحيانا كانت الغلبة لفريقه السياسي، الذي أراد تعزيز وجوده داخل ‏الجيش كما داخل الوزارات والإدارات التي تولاها. ورغم أن ذلك لم ينجح حين تولّى وزراء له وزارة الدفاع، لا ‏بالعكس زادت العلاقة سوءاً، بقيت محاولات تذكية التوتر عبر طلبات محددة‎.‎

قد يكون أحد المنعطفات الأساسية في عمل المديرية أنها صبّت جهدها على الشق الأمني، مقدمة إياه على الشق ‏السياسي. خطأ من؟ الواضح كان منذ اللحظة الأولى أن القصر الجمهوري يُبدي ارتياحاً أكثر لتسليم الأمن العام ‏الشق السياسي – الأمني. لم يكن سراً أن اللواء عباس إبراهيم برع في استخدام إمكانات وُضعت بين يديه محلياً ‏ودولياً، وكان المرجع الذي يوكل إليه رئيس الجمهورية معالجة ملفات داخلية وخارجية، علماً أن هذا الدور كان ‏من مهمة مدير المخابرات في العهود السابقة. تجربتا جورج خوري وإدمون فاضل، كأحدث تجربتين، بارزتان ‏في هذا المجال. أقام الأول، متفوقاً على قائد الجيش آنذاك ميشال سليمان، والثاني ولا سيما بعد التمديد له مرتين، ‏بالتنسيق مع قائد الجيش جان قهوجي، شبكة علاقات سياسية محلية واسعة وإقليمية ودولية، وبالأخص أميركياً. ‏ولعبا فيها أدواراً ولا سيما في مفاصل أساسية من نهر البارد إلى 7 أيار إلى اتفاق الدوحة وانتخاب الرئيس ميشال ‏سليمان، ومن ثم الفراغ الرئاسي وعرسال وغيرها من محطات أساسية أمنية وسياسية. هذا لم يتح لمديرية ‏المخابرات في العهد الحالي. لم يدخل الجيش في مقاربات سياسية حتى في أمور تتعلق به، كمثل الإشكالات التي ‏وقعت مع الرئيس نبيه بري حول مرسوم ما سمي “ضباط دورة عون”، الأمر الذي استلزم وقتاً لحلها‎.

الرئاسيات وراء كل مفترق‎
عديدة هي أسباب الالتباس في العلاقة بين اليرزة وبعبدا. أولاً، لأن الدور أعطي للأمن العام؛ وثانياً، لأن المديرية ‏تعاملت مع الشق الأمني بوصفه أولوية، مع التذكير بأنه منذ أربع سنوات، لم يتمكن الجيش من التقاط أنفاسه بفعل ‏توالي الأحداث والمهمات؛ وثالثاً لأن شبح الرئاسيات أيضاً ظل يتحكم بالعلاقة منذ اللحظة الأولى بين القصر ‏واليرزة. وهنا لبّ المشكلة‎.‎

اعتاد الموارنة الذين يصلون إلى مراكز الفئة الأولى أن يصبحوا مرشحين لرئاسة الجمهورية. وتجربة قادة الجيش ‏مع القصر الجمهوري هي التجربة الأكثر حضوراً، منذ ميشال عون أولاً، وثانياً مروراً بالرئيسين إميل لحود ‏وميشال سليمان. العماد جان قهوجي كان مرشحاً للرئاسة، وقد يكون الفراغ الرئاسي لعب أيضاً دوراً في تزكيته. ‏كان لدى الرئيس ميشال عون منذ اللحظة الأولى مرشح أول ونهائي ولا يرضى عنه أي بديل حتى لو جاء من قلب ‏البيت. وهذا يعني أن أي محاولة تعويم اليرزة في السنتين الأخيرتين ليست مستحبّة. لكن العقوبات الأميركية قلبت ‏أيضاً كل الموازين. وإن كان من المبكر الحكم على نتائجها النهائية، إلا أنها في لحظة حساسة، فرملت اندفاعة ‏رئيس التيار. إحالة مدير المخابرات على التقاعد، قانونية وطبيعية، علماً أنه سبقتها حملات سياسية من جانب ‏واحد ضده، لكنها أيضاً تحمل رسالة واضحة. وهذا لا يعني أن الذين يزكون أميركياً خيار قائد الجيش مرشحاً ‏رئاسياً، تراجعوا. هناك معلومات تقول العكس. ورغم أن قائد الجيش يقول إنه ليس مرشحاً، هناك مستشارون ‏رئاسيون سابقون يتهيأون ويضعون الأفكار لمواكبة قائد الجيش بخلفية إعداده سياسياً. وهذا يعني أن معركة ‏الرئاسة فُتحت مبكراً، وقد نكون نشهد حالياً أول خطوة لوضع الانتخابات الرئاسية على الطريق بين اليرزة ‏وبعبدا. ومعركة الترشيحات المبكرة ليست انتقاصاً من موقع رئيس الجمهورية الذي ولّت أيام التنافس عليه حصراً ‏بين مرشحين من اليرزة، لتصبح المنافسة مفتوحة بين مجموعة مرشحين دخلوا السباق الرئاسي باكراً‎.‎

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *