كتبت الدكتورة فيولا مخزوم مقالا على الموقع الالكتروني لوزارة الاعلام، تحت عنوان “في لحظات القلق الوطني: هل يصون الإعلام وعي المجتمع أم يضاعف أزماته؟”، واعتبرت فيه ان الإعلام يُختبر عندما تتداخل السياسة بالأمن ويتقدم القلق على اليقين، ويصبح السبق الصحفي إغراءً قد يدفع بعض المؤسسات إلى نشر ما لم يكتمل التحقق منه. غير أن التجربة المهنية الطويلة علمت الصحفيين أن اللحظات المضطربة لا تحتمل مغامرة كهذه، وجاء في المقال:
تشتد حساسية الكلمة حين يمر وطن بلحظات قلق. عندها لا يكون الخبر مجرد معلومة عابرة في نشرات المساء، بل يصبح جزءًا من معركة الوعي التي يخوضها المجتمع وهو يحاول فهم ما يحدث حوله. يتجه الناس في تلك اللحظات إلى الإعلام بحثًا عن تفسير يخفف الغموض ويعيد ترتيب المشهد، لكن ما يصل إليهم لا يقتصر على الوقائع وحدها؛ إذ يصل أيضًا أسلوب عرضها ونبرة الحديث عنها، وهما عاملان قد يهدئان المزاج العام أو يضاعفان ارتباكه.
يُختبر الإعلام فعلًا عندما تتداخل السياسة بالأمن ويتقدم القلق على اليقين. تتراجع المسافة بين الحدث وتفسيره، ويصبح السبق الصحفي إغراءً قد يدفع بعض المؤسسات إلى نشر ما لم يكتمل التحقق منه. غير أن التجربة المهنية الطويلة علمت الصحفيين أن اللحظات المضطربة لا تحتمل مغامرة كهذه؛ فالمعلومة غير الدقيقة لا تبقى خطأً عابرًا، بل تتحول سريعًا إلى رواية تتناقلها المنصات وتبني عليها الجماهير أحكامها.
يظهر الفرق هنا بين إعلام يعي دوره وإعلام يكتفي بملاحقة الحدث. يعرف الأول أن وظيفته لا تقتصر على نقل الوقائع، بل تمتد إلى تنظيم الفهم العام لها. يضع الخبر في سياقه، ويمنح المتلقي أدوات تفسيرية تمنعه من الانجرار خلف الانفعال اللحظي. أما حين يغيب هذا الوعي، فإن التغطية الإعلامية تتحول إلى انعكاس مباشر للفوضى التي تحيط بالحدث، فيصبح الجمهور أسير صور متناقضة لا تساعده على إدراك ما يجري.
تفاقم التحول الرقمي من تعقيد هذه المهمة. تنتشر الأخبار اليوم بسرعة لا تمنح أحدًا وقتًا كافيًا للتثبت، وتتشابك المعلومات الصحيحة مع تأويلات شخصية وشائعات متقنة الصياغة. يندفع الخبر عبر شبكات التواصل ككرة ثلج تتضخم في طريقها، وغالبًا ما يفقد معناه الأول قبل أن يصل إلى جمهور أوسع. يجد الإعلام التقليدي نفسه أمام واقع جديد يفرض عليه أن يكون أكثر حذرًا، لأن أي تسرع في مواكبة هذا التدفق قد يضعه في موقع مكرر لما يتداوله الناس بدل أن يكون مرجعًا لتصحيحه.
يتطلب التعامل مع هذه البيئة قدرة على التمييز بين أهمية الخبر وضرورات نشره. لا يكفي أن يكون الحدث مهمًا كي يُنشر فورًا، بل يجب أن يكون واضحًا بما يكفي ليُفهم في سياقه. يتعثر الإعلام عندما يخلط بين الإثارة والتوضيح، لأن العنوان الصادم قد يجذب الانتباه لحظة، لكنه يترك خلفه أثرًا أعمق من القلق يصعب تبديده لاحقًا.
تزداد دقة هذا التوازن في بلد مثل لبنان، حيث تتشابك الوقائع السياسية مع حساسيات اجتماعية متراكمة. تعيش المجتمعات المتعددة عادة في فضاء إعلامي مشحون بالتأويلات، وتكتسب الكلمة فيه وزنًا يتجاوز معناها المباشر. قد تبدو عبارة عادية في سياق ما، لكنها تتحول في سياق آخر إلى إشارة سياسية أو طائفية. لهذا يصبح الخطاب الإعلامي مطالبًا بدرجة أعلى من الوعي بما يمكن أن تثيره المفردات من قراءات مختلفة.
تعلم اللبنانيون عبر تجاربهم المتكررة أن الفراغ المعلوماتي أخطر من الخبر السيئ. حين تتأخر الرواية الواضحة، تتقدم الشائعة لملء المساحة الفارغة. تنتشر في تلك اللحظة روايات غير موثقة تتلقفها المنصات الرقمية بسرعة لافتة، ويجد الإعلام نفسه مضطرًا إلى ملاحقة أثرها بدل أن يكون مصدر المعلومة الأول. تتضح هنا أهمية المبادرة إلى تقديم رواية دقيقة قبل أن تتكاثر الروايات البديلة.
لا يرتبط الأمر فقط بمسألة السرعة أو التحقق، بل بطريقة بناء السرد الإعلامي ذاته. تملك المؤسسات الإعلامية قدرة على صياغة المشهد العام عبر اختيار الزوايا التي تركز عليها. حين تُعرض الأحداث ضمن سياق يوازن بين الوقائع وتداعياتها، يكتسب الجمهور فرصة لفهم الصورة الكاملة. أما إذا قُدمت الوقائع في إطار درامي مبالغ فيه، فإن الخوف يصبح العنصر الأكثر حضورًا في إدراك الناس لما يحدث.
يعرف الصحفي المخضرم أن اللغة ليست أداة محايدة. تحمل الكلمات شحنة رمزية قادرة على تضخيم التوتر أو تخفيفه. لذلك لا يكون الاعتدال في الخطاب الإعلامي ضعفًا في نقل الحقيقة، بل شكلًا من أشكال المسؤولية تجاه مجتمع يتلقى الأخبار وهو يعيش لحظة حساسة.
تتعلق المسألة في جوهرها بثقة الجمهور. لا تُبنى هذه الثقة عبر شعار أو خطاب، بل عبر تراكم طويل من الدقة والاتزان. يبحث الناس في أوقات القلق عن جهة يطمئنون إلى أنها لن تتركهم ضحية للمبالغات أو التكهنات. وحين يشعر الجمهور بأن الإعلام يلاحق الإثارة أكثر مما يلاحق الحقيقة، تتآكل تلك الثقة تدريجيًا.
تكشف تجارب الأزمات في دول كثيرة أن المجتمعات التي تمتلك إعلامًا رصينًا تعبر مراحل التوتر بقدر أكبر من الوعي. يساعد الإعلام المهني على تنظيم النقاش العام بدل أن يتركه عرضة للفوضى. يمنح الناس تفسيرًا متماسكًا لما يجري، ويحول دون تحول القلق المشروع إلى خوف غير عقلاني.
يقف الإعلام في مثل هذه اللحظات أمام اختبار لا يتعلق بقدرته على نقل الأخبار فحسب، بل بقدرته على إدراك أثرها. تختصر الكلمة المكتوبة أو المذاعة مسافة طويلة بين الحدث وإدراك الجمهور له. وقد يصعب في أوقات التوتر الفصل بين دور الإعلام كمراقب للأحداث ودوره كعنصر يؤثر في مسارها المعنوي.
تفرض هذه الحقيقة على الإعلام أن يتعامل مع الكلمة بوصفها مسؤولية عامة. حين يختار طريق الدقة والتوازن، يسهم في حماية وعي المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى. وحين يتخلى عن هذا الدور، يتحول – ولو من دون قصد – إلى جزء من الضجيج الذي يضاعف القلق بدل أن يفسره. في تلك المسافة الدقيقة بين الحقيقة والإثارة يتحدد موقع الإعلام: إما حارسًا لوعي المجتمع، أو صدى يردد اضطرابه.
وزارة الإعلام اللبنانية