كتبت صحيفة “الجمهورية” تقول: لبنان في قلب النار، والاعتداءات الإسرائيلية تتدحرج بوتيرة خطيرة على مناطق لبنانية واسعة، وإسرائيل تتوعّد بمزيد من الاستهدافات، فيما المنطقة عالقة في حقل واسع من الإحتمالات المجهولة، والعالم بأسره يرصد اتجاهات الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، وسط تعاظم المخاوف من امتداداتها وتداعياتها وارتداداتها ليس فقط على المنطقة، بل على المستويَين الإقليمي والدولي. وغموض المشهد الحربي، فرض ما بدا أنّه تصادم تقديرات المحلّلين والمعلقين، بين ترجيح استمرارها وطول أمدها واتساع رقعتها، وبين بلوغها خط النهاية وباتت قاب قوسَين أو أدنى من انتهائها.
أفق مسدود
الأفق اللبناني مسدود سياسياً على المبادرات والوساطات وجهود التهدئة، وخاضع أمنياً لتصعيد إسرائيلي خطير طالت مناطق لبنانية واسعة في الجنوب والبقاع، مخلّفاً دماراً رهيباً، وخصوصاً في الضاحية الجنوبية التي تعرّضت لعشرات الغارات التدميرية، وسقوط عشرات الشهداء والجرحى من المدنيِّين. وفي موازاة المواجهات الدائرة في المنطقة الحدودية بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي، التي تترافق مع استهدافات إسرائيلية متتالية للمناطق المدنية في العمق اللبناني، ورشقات صاروخية مكثفة من «حزب الله» على المستوطنات والعمق الإسرائيلي، وتهديدات أطلقها المستويان الأمني والسياسي في إسرائيل باجتياح واحتلال وتوسيع رقعة العدوان، وحشودات كبيرة على الحدود، بالتوازي مع حرب نفسية تجلّت أمس في إلقاء مناشير فوق العاصمة بيروت، تُظهّر فيها مشاهد غزة، وتدعو لمواجهة «حزب الله» ونزع سلاحه. فيما نقلت هيئة البث الإسرائيلية أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي طلب من الجيش تجهيز أهداف مدنية إضافية لاستهدافها. كما نُقل عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تهديده للحكومة اللبنانية بأنّها ستواجه استهدافاً للبُنى التحتية وفقداناً للأراضي حتى تنزع سلاح «حزب الله».
عون وغوتيريش
وسط تفاقم التصعيد، حضر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى بيروت، والتقى الرؤساء الثلاثة، وبدا جلياً أنّه لا يحمل مشروعاً محدَّداً أو مبادرة للحل، بل حمل تضامناً مع لبنان، ومناشدة لـ«حزب الله» وإسرائيل بالوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
وأكّد غوتيريش في بعبدا: «متضامن بشكل كامل مع الشعب اللبناني، وأناشد بقوّة «حزب الله» وإسرائيل بوقف إطلاق النار ووقف الحرب، وتمهيد الطريق لايجاد حلّ يتيح الفرصة للبنان ليكون بلداً مستقلاً وله سيادة كاملة على أراضيه، حيث السلطة لها الحق الحصري. الوقت لم يعُد للمجموعات المسلحة، إنّه وقت الدولة القوية».
وأبلغ الرئيس عون غوتيريش أنّه «يجب وقف الإعتداءات الإسرائيلية وتحقيق وقف إطلاق النار، للبحث في الخطوات التالية وفق المبادرة التي أطلقتها»، مشدّداً على «ضرورة الاهتمام بشؤون النازحين الذين قارب عددهم أكثر من 800 ألف نسمة، ونقدّر وقوف الأمم المتحدة إلى جانب لبنان ودعمها الدائم».
وأشار إلى أنّ «استمرار الإعتداءات الإسرائيلية سيؤثر على الاستقرار في المنطقة كلها. أبديتُ استعدادي للتفاوض، لكن حتى الآن لم نتلقَّ جواباً من الطرف الآخر. نتطلّع إلى دعم المجتمع الدولي للبنان في هذه المرحلة الدقيقة».
بري
وفي عين التينة، أعرب غوتيريش عن أسفه وحزنه حيال النازحين، وأكّد «أنّ رسالتي واضحة للغاية بأنّه علينا أن نضع حداً لهذه الحرب، ويجب أن يحصل وقف إطلاق نار فوري. وندائي لكلا الطرفَين، دعونا نطبّق وقف إطلاق نار فوري ونوقف هذا العذاب الكبير للشعب اللبناني، ولنتأكّد جميعنا أنّه ضمن وقف إطلاق النار ستكون هنالك مفاوضات لضمان أنّ لبنان سيستعيد السيادة على أراضيه، وأن تُحترَم سيادته وفي الوقت عينه أن تتمكن الدولة اللبنانية بكامل مكوّناتها أن تكون دولة قوية، وتتمكن من ممارسة السيطرة على كل البلد».
وأمّا الرئيس بري، فجدّد أمام غوتيريش التأكيد على «تمسك لبنان بالقرار الأممي 1701، الذي لا بديل عن قوات «اليونيفيل» لتطبيقه بمؤازرة الجيش اللبناني»، داعياً إلى «وجوب إلزام إسرائيل بوقف عدوانها وتطبيق اتفاق تشرين الثاني 2024».
نداء إنساني
وفي السراي الحكومي خلال إطلاق النداء الإنساني العاجل مع غوتيريش، أكّد رئيس الحكومة نواف سلام على «استعداد لبنان استئناف المفاوضات مع إسرائيل تحت رعاية دولية وبمشاركة مدنية». ومشدّداً على أنّ «الحكومة مصمِّمة على استعادة الدولة سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها وحدها».
المبادرة لم تسقط
على صعيد مبادرة الحل التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، كشفت مصادر دبلوماسية غربية أنّ هناك ترحيباً مبدئياً بمبادرة الرئيس اللبناني لفتح مسار تفاوضي مع إسرائيل، معتبرةً أنّها خطوة مفصلية وشجاعة قد تشكّل المدخل الفعلي لوقف الحرب وتفادي سقوط المزيد من الضحايا والدمار، بالإضافة إلى تمهيد الطريق أمام عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، إذا ما أُخِذ بها.
وكشفت أنّ المجتمع الدولي ينظر بجدية إلى المبادرة الرئاسية، داعيةً رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تأييدها ودعمها «اليوم قبل الغد». وأوضح مصدر دبلوماسي أنّ بلاده وعدداً من حلفائها لم يصدروا بعد موقفاً رسمياً من المبادرة الرئاسية، إلّا أنّ ذلك لا يعني رفضها، بل إنّ المبادرة تخضع حالياً لنقاش جدّي وسيتم التعامل معها في التوقيت المناسب.
حملة مشبوهة
من جهة أخرى، تؤكّد مصادر موثوقة لـ«الجمهورية» أنّ مسار المبادرة الرئاسية ينتظر نضوج الاتصالات الخارجية حولها، إلّا أنّ المريب هو تلك الأصوات المشبوهة، التي شرعت ببَث سمومها على رئيس الجمهورية، وإطلاق سهام التحامل على جهوده الرامية إلى وقف هذه الحرب. في الوقت الذي يسجَّل لرئيس الجمهورية حرصه على البلد، واندفاعه كأول المبادرين إلى تلمُّس حلول ومخارج من المأزق الخطير الذي دُفِع إليه لبنان.
وقمة التجنّي والإفتراء تجلّت ليس في الانتقاص من المبادرة، بل بالتشكُّك فيها ومحاولة تضمينها ما لا تتضمّنه ونسب طروحات كاذبة إلى رئيس الجمهورية، كمثل القول أنّه طلب هدنة لمدة شهر. فأقل ما يقال في هذه الإختلاقات والتدجيلات، إنّها كاذبة ومشبوهة، نابعة من غرف سوداء تريدها إرادات خبيثة تتوخّى خراب البلد، واستمراره في دوامة الحرب والدمار.
إلى ذلك، مبادرة الرئيس عون ما زالت مطروحة، والاتصالات لم تتوقف للدفع بها، وتجاوز العقبات من أمامها. وفي هذا الإطار، كشفت المصادر لـ«الجمهورية»، أنّ الانتظار حتى الآن مردّه إلى سببَين:
الأول، عدم التجاوب الإسرائيلي مع المبادرة، واشتراط إسرائيل بنزع سلاح «حزب الله» أولاً، وفق وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر الذي أعلن أنّ «إسرائيل مستعدة للحوار مع الحكومة اللبنانية، لكنّ الحوار وحده لا يمكنه وقف إطلاق النار من الأراضي اللبنانية، وعلى الحكومة اللبنانية أن تقوم بما يجب عليها القيام به على مدى فترة طويلة».
الثاني، عدم توفّر إجماع لبناني على الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهو الأمر الذي يعرقل حتى الآن اكتمال تركيبة الوفد اللبناني إلى المفاوضات (في قبرص كما تردّد). فحتى الآن هناك رفض من قِبل ثنائي «حركة أمل» و«حزب الله» الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وتجلّى هذا الرفض في عدم تسمية شخصية شيعية في عداد الوفد اللبناني. ولا يبدو أنّ الثنائي بصدد الموافقة على مثل هذا الأمر.
ومعلوم في هذا السياق ما أكّد عليه الرئيس بري، أنّ «الحل الأفضل يتجلّى بوقف الإعتداءات الإسرائيلية والعودة إلى لجنة «الميكانيزم» كآلية وإطار لوقف الحرب».
دعم فرنسي للمفاوضات
إلى ذلك، أكّد مصدر ديبلوماسي من العاصمة الفرنسية لـ«الجمهورية»، أنّ من الضرورة حصول حل عاجل في لبنان، ينجّيه من مخاطر كبرى تتهدّده إن استمر الوضع على ما هو عليه حالياً.
ولفت المصدر إلى «أنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يجنّد إدارته لبذل جهود ومساعٍ متواصلة مع الجانبَين اللبناني والإسرائيلي لوقف الصراع القائم، ولهذه الغاية تحادث أكثر من مرّة مع المسؤولين في لبنان وإسرائيل، ولمس رغبة حقيقية لدى المسؤولين اللبنانيِّين بانتهاء الحرب، واستعدادهم لبلوغ تفاهمات تضمن سيادة لبنان وتوفّر السلام والاستقرار للجميع»، مشيراً إلى «تشدّد كبير لدى المسؤولين الإسرائيليِّين، الذين أعلنوا صراحة أنّ إمكانية التعايش مع «حزب الله» مستحيلة، ولا بُدّ من رفع خطره على أمن إسرإئيل».
ورداً على سؤال أوضح المصدر، إنّ «باريس تدين بشدة استهداف المدنيِّين، وكذلك استهداف بنى الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وتدعم بقوّة مبادرة الرئيس اللبناني، وهي على استعداد لتسخير كلّ جهودها بما يسرّع جلوس اللبنانيِّين والإسرائيليِّين على طاولة المفاوضات، لأنّ استمرار الصراع ليس في مصلحة أي من الأطراف، لكن بمعزل عن كل ذلك، فقد آنَ الأوان لوضع حدّ لتفرّد «حزب الله» ومخاطرته بمصير لبنان، وتسبُّبه بالدمار الحاصل. الدولة اللبنانية اتخذت قرارها بنزع سلاح «حزب الله»، وهذا ما يجب أن يحصل في نهاية المطاف».
إلى ذلك، أفادت مصادر لوكالة «رويترز»، بأنّ «إسرائيل رفضت عرضاً تاريخياً من لبنان لإجراء محادثات مباشرة، واعتبرته متأخّراً جداً وغير كافٍ».
لا تعايش مع الحزب
في موازاة ذلك، فرض ارتفاع وتيرة التصعيد الإسرائيلي على لبنان، على المستويات الرسمية ما بدا أنّه سباق مع الوقت والأحداث في آن معاً، وخصوصاً مع ارتفاع وتيرة التهديدات الإسرائيلية باجتياح برّي للمنطقة الحدودية، بالتزامن مع توسيع دائرة اعتداءاتها في مختلف المناطق اللبنانية، بما يشي بأنّها تحاول أن تفرض أمراً واقعاً على لبنان وتطوّق الحكومة بضغوط، تخفيفها مشروط بالدخول بمواجهة مباشرة مع «حزب الله» لنزع سلاحه.
وعلى ما يقول مصدر حكومي لـ«الجمهورية»، «لا يمكن التسليم بالأمر الواقع الذي يفرضه «حزب الله» على لبنان، وذلك إنفاذاً لحسابات ومصالح إيران، وإذا ما تمعّنا بواقع البلد وكارثة النزوح التي تتفاقم، خصوصاً من قِبل ما يسمّيها الحزب بيئته التي تُشتَّت في كل أرجاء لبنان، وإذا ما نظرنا إلى حجم الدمار الذي خلّفه ردّ إسرائيل على إطلاق الصواريخ، والتهديدات الإسرائيلية لكل المستويات في الدولة باستهداف البنى التحتية وتوسيع مساحة الاعتداءات، نرى بوضوح شديد جسامة الخطيئة التي ارتكبها الحزب بحق لبنان، والجريمة الكبرى بحق بيئته، بما يؤكّد صوابية القرارات التي اتخذتها الحكومة، وتؤكّد بما لا يقبل أدنى شك أنّه لم يعُد في إمكان لبنان واللبنانيِّين التعايش مع سلاح «حزب الله» ومغامراته الكارثية على البلد كرمى لعين إيران».
يُشار إلى أنّ هذا الموقف الرسمي اللبناني ضدّ خطوات «حزب الله» مؤيَّد بموقف خارجي واسع، يشدّد على ردع الحزب، ويؤكّد على مصلحة لبنان كأولوية، التي لا يمكن أن تتحقق في ظل سلاح «حزب الله» الذي لا يشكّل تهديداً لأمن واستقرار للبنان فحسب بل لكل جيرانه. فهذا الأمر لا يمكن أن يستمر.
قاسم: مستعدون لمواجهة طويلة
إلى ذلك، أعلن الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، بمناسبة يوم القدس العالمي: «أعددنا أنفسنا لمواجهة طويلة وسيفاجأون في الميدان وسيرى العدو بأسنا وتهديداته لا تخيفنا. يجب إيقاف العدوان وليس إيقاف المقاومة. الكلمة الآن للميدان، ونحن نقاتل وواثقون بالنصر. الحل واضح، وهو إيقاف العدوان بشكل كامل، وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة بشكل كامل، والافراج عن الأسرى، وعودة الناس إلى قراهم وبدء الإعمار. هذا هو الحل لتتوقف المقاومة».
وزارة الإعلام اللبنانية