كتبت صحيفة “البناء”: حسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه يعمل وفق معادلة «إسرائيل أولاً» وليس «أميركا أولاً»، وأن التفاوض عنده مجرد خديعة للتمهيد للحرب، وأن نقطة البداية في الحرب لا يقرّرها حدث سياسي ولا اكتمال استعداد، بل عملية غدر إجرامية لقتل بدم بارد، وهكذا بدأت الحرب باغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية الإمام السيد علي خامنئي، ومعه عدد من القادة العسكريين جرى استهدافهم في غارات متعدّدة في مناطق مختلفة من إيران، وحدّد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو شريكه في الحرب الذي احتفل بإخضاع دولة عظمى لحساباته، هدف الحرب بإسقاط النظام الإسلامي في إيران وقد وجّه كل منهما الدعوة للشعب الإيراني للثورة على النظام والاستفادة من اللحظة التاريخيّة التي توفرها الحرب الأميركية الإسرائيلية.
مئات الغارات استهدفت معظم المحافظات الإيرانية بأكثر من 1500 هدف، كما تقول الإعلانات الأميركية عن استهداف 1000 موقع، بينما تحدّث رئيس الأركان في جيش الاحتلال عن 500 هدف، و200 طائرة شاركت لأول مرّة بعملية واحدة، والحصيلة مئات الإصابات بين شهداء وجرحى منهم 165 طفلة شهيدة في استهداف مدرسة، لكن الرهان الأميركي على استسلام القيادة الإيرانية ودب الذعر في نفوس الإيرانيين أصيب بفشل ذريع، فقد نجحت الدولة الإيرانية بإظهار تماسكها وقدرتها على تضميد جراحها، وأُعلن عن تشكيل القيادة المؤقتة وفقاً لنص الدستور من ثلاثة أشخاص هم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائيّة غلام حسين محسني اجئي وأحد أعضاء مجلس تشخيص مصلحة النظام ينتدب لهذه المهمة، وقد أعلن عن تكليف آية الله علي رضا أعرافي بالمهمة، وأعلن لاحقاً عن عقد القيادة المؤقتة لاجتماعين لتسيير شؤون الدولة في شؤون تحتاج إلى صلاحيات المرشد، منها تعيينات قيادية عسكرية تمّ اختيارها لملء الفراغات الناجمة عن عمليات الاغتيال.
في الشارع الذي راهن عليه ترامب ونتنياهو، خرج الإيرانيون بصورة عفوية في عشرات المسيرات في طهران ومثلها في كل مدن إيران الكبرى، يطلبون الانتقام لقائدهم، بدلاً من طلب إسقاط النظام، كما تمنى ترامب ونتنياهو، وبدا أن جماعات العملاء والتخريب مردوعة في ظل هذا المناخ الشعبي ويقظة الأجهزة الأمنية وفقاً لخبرات حرب حزيران من العام الماضي واحتجاجات كانون الثاني الماضي.
ميدانياً ورغم كثافة الغارات الأميركية والإسرائيلية، نجح الجيش والحرس الثوري بإطلاق مئات الصواريخ نحو العمق الإسرائيلي ومثلها نحو القواعد الأميركية في الخليج والسفن الأميركية وحاملة الطائرات إبراهام لنكولن التي استهدفت بأربعة صواريخ بالستية، اعترف بها الأميركيون وقالوا إنها لم تصب الحاملة، لكنهم اعترفوا بمقتل ثلاثة جنود قالوا إنهم قتلوا في الكويت، التي شهدت نقاط التمركز الأميركي فيها بعدة طائرات مسيرة أسوة بما شهدته قطر والسعودية وعمان والإمارات والبحرين، حيث أصيبت القواعد والرادارات وأماكن إقامة الجنود الأميركيين بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، بينما قام الحرس الثوري الإيراني عبر قواته البحرية بإعلان منع عبور السفن الأميركية إلى الخليج، وإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة، حيث اصطفّت عشرات ناقلات النفط تنتظر العبور، بينما تم استهداف إحدى هذه الناقلات وإحراقها بعد رفض الانصياع لأوامر الحظر، لكن ثقل التركيز الإيراني كان على العمق الإسرائيلي حيث بدأ إطلاق الصواريخ بعد ساعتين على اغتيال مرشد الجمهورية، وتساقطت الصواريخ بمعدل رشقة كل ساعة، وبدأت حصيلة الإصابات بالتراكم حتى تحدّث الإسعاف الإسرائيلي عن قرابة 1000 إصابة، منها 100 إصابة في ضربتين في تل أبيب وبيت شيمش بينها 20 قتيلاً و11 مفقوداً وعشرات الجرحى منهم 20 جريحاً بإصابات بالغة، مع دمار هائل وحرائق ضخمة أشعلتها الصواريخ.
أعلن مكتب رئاسة الجمهورية أن رئيس الجمهوية جوزاف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «أجريا اتصالاً تناولا فيه آخر المستجدات التي تؤثر على أمن المنطقة بأسرها، بما في ذلك الدول الصديقة. وقد اتخذ الرئيسا معاً قراراً بتأجيل المؤتمر إلى نيسان، لأن الظروف الملائمة لم تتوافر للإبقاء على موعده المحدد. وقد أكد الرئيسان أن خطورة الوضع الإقليمي تعزّز ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان، ودعم مؤسساته الشرعية وضمان استعادته سيادته الكاملة. وستواصل كل من فرنسا ولبنان وشركائهما في مجموعة الخماسية جهودهم في هذا الاتجاه.
وأفيد أن سفراء معتمدين في لبنان تبلّغوا من الرّئيس نبيه برّي أنّ الحزب لن يشارك في أيّ قتالٍ خارجيّ.
وأصدر رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، بيانًا نعى فيه «استشهاد سماحة الإمام آية الله السيّد علي الخامنئي»، مؤكّدًا أنّه «إمامٌ ومرجعٌ ومرشدٌ وقائدٌ مجاهدٌ صادقٌ، ما عاهد الله عليه قضى نحبه وما بدّل تبديلًا».
وأضاف برّي أنّ خامنئي «في شهر الله، وكما جدّاه «عليّ» و«الحسين»، عليهما السلام، سليلٌ من العترة النبويّة الطاهرة، يمضي إلى الله سبحانه وتعالى صائمًا شهيدًا، بين المحراب وتلاوة القرآن وميادين الجهاد والعمل والثبات واليقين، وأبدى كلمةَ حقٍّ في وجه سلطانٍ جائر، ونفوسٍ أبيّةٍ، لم تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام».
وتابع «هو امتدادٌ إلى اللانهاية لذلك النهج المحمّديّ الأصيل، والمدرسة الحسينيّة الإنسانيّة الراسخة، رسوخًا أين منها الجبال، وهو بعضٌ من هذه الخصال والقيم، وقمّةٌ من تلك القمم الشامخة، هو سماحة الإمام آية الله العظمى السيّد علي الخامنئي، رضوان الله تعالى عليه».
وقال رئيس المجلس، «ننعاه إلى الأمّة، وكلّ أحرار العالم، والمرجعيّات الرشيدة في مشارق الأرض ومغاربها، ننعاه إمامًا ومرجعًا ومرشدًا وقائدًا مجاهدًا صادقًا، ما عاهد الله عليه قضى نحبه وما بدّل تبديلًا، ننعاه شهيدًا عظيمًا، ولا أسمى، تكبر به الأمّة فيشتدّ ساعدها، فأشرف الموت قَتْلُ الشهادة».
وكان قد صدر عن الأمين العام لـِ «حزب الله» نعيم قاسم بيانٌ نعى فيه المرشد الإيرانيّ علي خامنئي، معتبرًا أنّه قُتل في ما وصفه بـِ «عدوانٍ أميركيٍّ وصهيونيّ»، ومقدّمًا التّعازي إلى القيادة الإيرانيّة والشّعب الإيرانيّ و«الأمّة الإسلاميّة» و«أحرار العالم».
واستهلّ قاسم بيانه بآيةٍ قرآنيّة، ثمّ قال إنّ خامنئي نال «الشّهادة» بعد مسيرةٍ وصفها بأنّها اتّسمت بالعزّة والإخلاص والمقاومة والتّفاني. وأضاف أنّه ينعى «العالِم الرّبّانيّ والقائد الإلهيّ» بقلبٍ «مثخنٍ بالألم والجراح»، لكنّه عبّر، في الوقت نفسه، عن «الفخر والاعتزاز» بما عدّه ارتقاءً في «شهر رمضان» أثناء قيادة مسيرة الجهاد والمقاومة.
ورأى قاسم أنّ خامنئي «ترك من بعده عشرات الملايين من عشّاق الولاية»، إلى جانب قادةٍ سيواصلون حمل الرّاية، وشعوبٍ ستبقى، وفق تعبيره، في الميدان دعمًا لما سمّاه «الإسلام المحمّديّ الأصيل» والعمل من أجل «تحرير فلسطين والقدس» ونصرة المستضعفين.
واتّهم الأمين العام لـِ «حزب الله» الولايات المتّحدة و«إسرائيل» بالوقوف وراء عمليّة الاغتيال، معتبرًا أنّ استهداف خامنئي، إلى جانب «ثلةٍ من القادة والمسؤولين وأبناء الشّعب الإيرانيّ الأبرياء»، يمثّل «قمّة الإجرام»، ووصف الحادثة بأنّها «وصمة عارٍ على جبين البشريّة جمعاء».
وفي الشّقّ السّياسيّ من بيانه، أكّد قاسم أنّ «حزب الله» و«المقاومة الإسلاميّة في لبنان»، ومعهما المؤيّدون لهذا النّهج، سيواصلون الطّريق «بعزمٍ وثباتٍ وروحيّةٍ استشهاديّة»، مضيفًا أنّ الحزب سيكون «في طليعة المجاهدين لتحرير الأرض والإنسان» على نهج الأمين العام السّابق حسن نصر الله.
كما شدّد على أنّ الحزب «سيقوم بواجبه في التّصدّي للعدوان»، وأنّه لن يترك «ميدان الشّرف والمقاومة» في مواجهة ما وصفه بـ»الطّاغوت الأميركيّ والإجرام الصّهيونيّ»، دفاعًا عن الأرض والكرامة والخيارات المستقلّة.
وفي ختام البيان، تقدّم قاسم، باسم قيادة شورى «حزب الله» وأعضائه ومناصريه، بأسمى آيات العزاء والتّبريك إلى «صاحب العصر والزمان»، والمراجع الدّينيّة، والحوزات العلميّة، وعموم المسلمين، إضافةً إلى قيادة الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، ورئيس الجمهوريّة، والحكومة، والبرلمان، والجيش، و«حرس الثّورة الإسلاميّة»، والشّعب الإيرانيّ، وعائلة خامنئي، مؤكّدًا الثّبات على نهجه وخياره في «الجهاد والمقاومة» ونصرة المستضعفين.
وصدر عن المجلس الأعلى للدّفاع، من قصر بعبدا، بيانٌ أشار إلى أنّ رئيس الجمهوريّة استهلّ الاجتماع بعرضٍ سريعٍ للأوضاع الإقليميّة الرّاهنة، على أثر التّطوّرات الخطيرة المستجدّة، وتوقّف عند استشهاد المرشد الأعلى للثّورة الإسلاميّة علي خامنئي، في غارةٍ إسرائيليّة، وما يمثّله ذلك في بلاده وخارجها.
وتوجّه رئيس الجمهوريّة بصادق العزاء إلى كلّ البلدان التي أصابتها التّطوّرات الأليمة، مؤكّدًا التّضامن الأخويّ مع الدّول العربيّة، والشّجب الكامل لاستهداف مواطنيها ومنشآتها المدنيّة.
وشدّد رئيس الجمهوريّة على أنّ ما سبق يُظهر مجدّدًا الإجماع الوطنيّ على أنّ قرار الحرب والسِّلم هو في عهدة الدّولة اللّبنانيّة وحدها، تمارسه حصرًا عبر مؤسّساتها الدّستوريّة. وأشار إلى أنّ هذا المبدأ يحظى بتوافق الجميع، وقد عبّرت عنه الدّولة خير تعبير في خطاب القسم الرّئاسي، كما في البيان الوزاريّ للحكومة الحاليّة.
من جهته، أكّد رئيس الحكومة نواف سلام أهمّيّة وضع مصلحة اللّبنانيّين فوق أيّ حساب، والعمل على ضبط الوضع الأمنيّ والميدانيّ جنوبًا وشرقًا، وعدم السّماح بأيّ خلل. كما شدّد على ضرورة ضبط الأسعار والكميّات للسّلع والموادّ الغذائيّة والمحروقات، مشيرًا إلى متابعة تنفيذ ما أُقرّ في الاجتماعات التي عقدها أمس، مع الوزارات والمؤّسسات المعنيّة، ولا سيّما لجنة إدارة الكوارث والهيئة العليا للإغاثة.
ولفت رئيس الحكومة إلى أنّ الحكومة كانت جاهزة، وقد سبق أن اتّخذت جميع التّدابير اللّازمة في حال اندلاع الحرب.
وبناءً عليه، أُعلنت المباشرة بالإجراءات والتّدابير التي سبق اتّخاذها، إضافةً إلى متابعة الوزارات، بالتّعاون مع المنظّمات الدّوليّة المعنيّة، تأمين الحاجات الملحّة والمناسبة.
وكان قد ترأّس رئيس الجمهوريّة جوزاف عون المجلس الأعلى للدفاع في اجتماعٍ طارئ في قصر بعبدا قبل ظهر اليوم، للبحث في التّطوّرات الرّاهنة التي يشهدها لبنان. وبدأ الاجتماع في العاشرة والنصف، بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، ووزراء الدفاع، والداخلية، والاقتصاد، والعدل، والأشغال العامة، والاتصالات، والخارجية، والمالية، إلى جانب قادة المؤسسات والأجهزة العسكرية والأمنية والقضائية والجمركية.
وفي موازاة ذلك، تابع سلام أوضاع اللّبنانيّين في دول الخليج العربي، وأجرى لهذه الغاية اتصالاتٍ بسفراء لبنان المعتمدين في كلٍّ من المملكة العربيّة السّعوديّة، والكويت، والإمارات العربيّة المتّحدة، ودولة قطر، والبحرين.
واطمأنّ سلام من السّفراء إلى أنّ سفاراتهم وضعت «خطًّا ساخنًا» في خدمة اللّبنانيّين، في ظلّ ما تتعرّض له هذه الدّول من اعتداءات.
اعتبر الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أنّ «حرباً طويلة ذات عواقب لا يمكن تخيّلها قد بدأت»، معرباً عن أمله في «ألا يمنح حزب الله «إسرائيل» ذريعة لمهاجمة لبنان«.
ووصف المفاوضات الأميركية الإيرانية قبيل اندلاع الحرب بـ»المسرحية، لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو منذ البداية يريدان الحرب، والمفاوضات كانت للمظاهر مع شروط غير مقبولة بالنسبة لإيران».
واتهم جنبلاط الولايات المتحدة مباشرة بـ»استخدام ذريعة زائفة لشن الهجوم على إيران»، قائلاً: «ذريعة الحرب، كما عرضها دونالد ترامب في خطابه السبت، هي أن إيران باتت قادرة على ضرب الولايات المتحدة بصواريخها الجديدة، وهذا يذكّرنا بشكل غريب بصواريخ صدام حسين الوهمية التي أشعلت الحرب على العراق عام 2003».
وأشار إلى أن «إدارة جورج بوش آنذاك تحدثت عن تهديد وشيك من أسلحة الدمار الشامل العراقية وعن صلات مزعومة بين العراق وتنظيم القاعدة»، وأضاف: «لن تكون هذه الحرب نزهة، بل هي حرب طويلة في كل مكان، بعواقب لا يمكن تخيّلها».
وفي ما يتعلق بلبنان، قال: «علينا أن نحاول تعزيز الوحدة الوطنية والتوقف عن الخطابات والتحليلات التي تفوق قدرتنا على الفعل. كل شيء أصبح الآن بلا جدوى، حتى مسألة سلاح حزب الله، ونأمل ألا يمنح «إسرائيل» ذريعة لمهاجمة لبنان».
وأضاف: «الوحدة الوطنية وحدها تحمينا، أدعو اللبنانيين إلى أقصى درجات التماسك، وإذا تجدّدت الهجمات الواسعة في الجنوب فيجب أن تكون بيوتنا مفتوحة». وختم قائلاً: «نمرّ بمرحلة صعبة، يجب التحلي بالتواضع أمام هذه الحرب المروّعة التي تتحدّى كل فهم. لكن ماذا يمكن أن نفعل عندما يكون بعض القادة مغامرين ومجانين؟ عندها يجب توقع أي شيء».
وزارة الإعلام اللبنانية