الرئيسية / إعلام المواطن / تصميم التعلم في عصر الخوارزميات
الذكاء الاصطناعي التعلم الخوارزميات

تصميم التعلم في عصر الخوارزميات

كتبت الباحثة و الخبيرة التربوية ليال غدار مقالا تحت عنوان “تصميم التعلم في عصر الخوارزميات”، اعتبرت فيه ان الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية مساندة للتعلم، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل الفلسفة التربوية ذاتها. وشكل إطارًا فكريًا وتطبيقيًا يدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميم التعلم وتنفيذه وتقييمه، بهدف تحقيق تعليم أكثر تخصيصًا وفعالية واستجابة لاحتياجات المتعلمين. وجاء في المقال:

ليال غدار

يشهد العالم تحولًا جذريًا في فهم العملية التعليمية مع التسارع الكبير في تطورات الذكاء الاصطناعي. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساندة، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل الفلسفة التربوية ذاتها. ومن هنا برز مفهوم البيداغوجيا المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بوصفه إطارًا فكريًا وتطبيقيًا يدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميم التعلم وتنفيذه وتقييمه، بهدف تحقيق تعليم أكثر تخصيصًا وفعالية واستجابة لاحتياجات المتعلمين.

يقوم هذا التوجه على فكرة أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تحليل بيانات المتعلمين بصورة دقيقة وفي الزمن الحقيقي، مما يسمح بتقديم محتوى تعليمي متكيف مع مستوى كل طالب وسرعته في التعلم. وبدل النموذج التقليدي الذي يعامل جميع الطلاب بالطريقة نفسها، يتيح الذكاء الاصطناعي بيئة تعليمية مرنة تستجيب للفروق الفردية. هذا التحول يعزز الدافعية الداخلية، ويحد من الفجوات التعليمية، ويدعم مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم.

كما يسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب التقويم، من خلال تقديم تغذية راجعة فورية تساعد الطالب على تحسين أدائه باستمرار. فالأنظمة الذكية قادرة على تتبع الأخطاء المتكررة، واقتراح استراتيجيات تصحيحية، بل وتوقع الصعوبات المستقبلية قبل تفاقمها. وبهذا يصبح التقويم عملية تشخيصية مستمرة تدعم التعلم بدل أن تكون مجرد أداة لقياسه في نهاية المسار.

اهتمت جامعة هارفارد بهذا التحول من منظور تربوي عميق، حيث أطلق مركز Berkman Klein عبر metaLAB مشروع AI Pedagogy Project، الذي يهدف إلى دعم أعضاء هيئة التدريس في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المقررات الدراسية بصورة نقدية ومسؤولة. يركز المشروع على تصميم أنشطة تساعد الطلاب على فهم كيفية عمل الأنظمة الذكية، وتحليل مخرجاتها، والتفكير في أبعادها الأخلاقية والمعرفية. كما يعمل مركز Bok للتدريس والتعلم في هارفارد على إعادة تصميم استراتيجيات التقييم بما ينسجم مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بحيث تركز المهام على التحليل العميق والإبداع وحل المشكلات المعقدة بدل الاكتفاء بإنتاج نصوص تقليدية.

وفي سياق مشابه، تناولت أبحاث منشورة عبر Cambridge University Press موضوع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم من منظور فلسفي وتربوي، مشيرة إلى ضرورة توجيه هذه الأدوات نحو تعزيز الفضائل الفكرية مثل التفكير النقدي والدقة والتحقق من المعلومات. كما ناقشت دراسات في جامعة كامبريدج كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في تدريس اللغات والعلوم الإنسانية، بحيث يصبح وسيلة لإثراء النقاش الأكاديمي وتحفيز التحليل العميق للنصوص، لا بديلاً عن الجهد العقلي للطالب.

تشير بعض الدراسات الجامعية إلى أن استخدام أنظمة تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع من مستوى التحصيل الأكاديمي ويزيد من تفاعل الطلاب، خصوصًا عندما تُصمم هذه الأنظمة وفق مبادئ تربوية واضحة. غير أن هذه النتائج الإيجابية ترتبط بمدى تكامل التكنولوجيا مع الرؤية التعليمية، فالتقنية وحدها لا تضمن تحسين التعلم ما لم تُدمج ضمن إطار بيداغوجي واعٍ.

ورغم الإمكانات الكبيرة، تظل هناك تحديات أخلاقية وتربوية ينبغي أخذها في الاعتبار، مثل حماية خصوصية بيانات الطلاب، ومعالجة احتمالات التحيز في الخوارزميات، والحفاظ على الدور الإنساني للمعلم بوصفه موجهًا ومربيًا لا يمكن استبداله. فالبيداغوجيا المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لا تسعى إلى إحلال الآلة محل الإنسان، بل إلى تمكين المعلم وتعزيز قدرته على تقديم تعلم أكثر عمقًا وتأثيرًا.

إن البيداغوجيا المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تمثل تحولًا في طريقة التفكير في التعليم ذاته، حيث ينتقل التركيز من نقل المعرفة إلى بناء الفهم، ومن التلقين إلى التفاعل، ومن التعليم الموحد إلى التعلم المخصص. ومع استمرار الجامعات الرائدة مثل هارفارد وكامبريدج في دراسة هذا المجال وتطويره، يتضح أن مستقبل التعليم لن يكون رقميًا فحسب، بل سيكون ذكياً، تفاعليًا، وإنسانيًا في آن واحد.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *