كتبت صحيفة “النهار”: وسط المراوحة الآخذة في الاتّساع حيال الأوضاع اللبنانية، والتي يبدو مسبّبها الأساسي حال الانتظار الثقيل الذي يسود مجمل بلدان الشرق الأوسط منذ تصدّرت تطورات المواجهة الأميركية- الإيرانية الحدث الاقليمي، تكثّفت التساؤلات حيال تجميد اجتماعات لجنة “الميكانيزم” وسط شكوك في إمكان الاستغناء عنها. غير أن معطيات موثوقة توافرت لـ”النهار” أمس، أكدت أن ثمة أزمة في عمل الميكانيزم لم يسلّم الجانب اللبناني بأنها ستفضي إلى انهيارها لأنه إذا انهارت لا بديل منها وهناك مجهول سيفتح على البلد، ولذا تستنفر مراجع الدولة لمنع انهيارها، علماً أن لبنان لم يتبلّغ رسمياً إلغاء أو إرجاء اجتماعات الميكانيزم ولم يحدد موعد بعد جولة كانت مقررة في 14 كانون الثاني الحالي لاجتماعها وحصلت تطورات ارجأت الاجتماع بحكم الأمر الواقع. وتشير هذه المعلومات إلى أن ثمة محاولات لاستنهاض الدفاع عن موقف لبنان في الناقورة، إذ أنه خلال جولتي المفاوضات اللتين شارك فيهما رئيس الفريق اللبناني السفير السابق سيمون كرم، طرح لبنان عودة الجنوبيين إلى منازلهم وتمسّك باعتبار الطرح الاقتصادي هو إعادة إعمار القرى والبلدات، وكان ذلك محور بحث مع الجانب الأميركي. كما ارتكزت الجولة الثانية إلى نجاح الجيش اللبناني في بسط سلطته على جنوب الليطاني. وتكشف المعلومات أن الجانب اللبناني يتمسّك باللجنة ويطالب بقية الأطراف بانعقادها في أقرب وقت، والجميع من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة والجيش والوفد اللبناني في اللجنة جاهزون لاستئناف المفاوضات بموازاة مواصلة الجيش عمله على الأرض. اللافت في هذه المعلومات تأكيدها أن الموقف الإسرائيلي في المفاوضات على تشدّده بقي مضمونه الأساسي أمنياً على رغم كل التطورات، ولكن لم يجر الدخول في تفاصيل الأمور في جلستي التفاوض. ويعكس الموقف اللبناني تشديداً على إعادة الناس إلى منازلهم في الجنوب المتضرّر بشدة. وكشفت المعلومات أن لبنان لم يتبلّغ شروطاً أميركية لعودة اللجنة. ويعتبر الجانب اللبناني أن لا إطار آخر للمفاوضات غير الميكانيزم.
وسط هذه الأجواء اتّخذ مضمون الكلمة التي ألقاها رئيس الجمهورية جوزف عون أمس أمام اعضاء السلك الديبلوماسي ورؤساء البعثات الدولية، بعداً مهماً تجاوز بتوقيته ودلالاته الأهمية التي اكتسبها ردّه الضمني سابقاً على “حزب الله”. فمع أن الرئيس عون لم يردّ مباشرة أمس على المواقف الاستفزازية للأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم قبل أيام ولا على الحملات الإعلامية التي شنّها أنصار الحزب عليه بعد مقابلته التلفزيونية في ذكرى انتخابه، جاء كلامه عن الالتزام الصارم لاستكمال خطة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني وحده في كل لبنان ليشكل تجديداً قاطعاً لهذا الالتزام أمام ممثلي المجتمع الدولي بأسره، وتالياً الردّ الأقوى مباشرة ومداورة على الاجتهادات الاستنسابية لـ”حزب الله” لاتفاق وقف الأعمال العدائية والقرار 1701 وحملاته المتواصلة على السلطة اللبنانية. ولعل ما تضمنته كلمة عون بإعلانه الحاسم أن جنوب الليطاني صار تحت السيطرة الحصرية للجيش اللبناني، والتشديد على احترام اتفاق 27 تشرين الثاني “وعدم زجّه في مغامرات انتحارية”، أدخل هذا الموقف ضمن منظومة الإجراءات الجاري تنفيذها راهناً لتثبيت صدقية الدولة اللبنانية أمام الرعاة الدوليين، ولا سيما منهم ممثلي المجموعة الخماسية، كما حصراً الولايات المتحدة الأميركية، للأخذ بالموقف اللبناني وممارسة الضغط اللازم على إسرائيل لترك الدولة تستكمل خطة حصر السلاح والتزام العودة إلى لجنة الميكانيزم.
وفي هذا السياق، قال عون في كلمته أمام أعضاء السلك الديبلوماسي: “أوكد لكم أننا أنجزنا الكثير وذلك بالتعاون مع حكومة الدكتور نواف سلام ومع رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري كما مع القوى السياسية كافة. فليس تفصيلاً ما قررته حكومتنا بين 5 آب و5 أيلول الماضيين، من خطة لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على أراضيها بقواها الذاتية حصراً. ودعوني أقول لكم بصراحة، إننا في هذا المجال، حققنا ما لم يعرفه لبنان منذ 40 عاماً. فبمعزل عن حملات التشويش والتشويه والتهويل والتضليل، ورغم عدم التزام إسرائيل بإعلان وقف الأعمال العدائية، وبإمكانات معروفة لقوانا المسلحة، وفي طليعتها الجيش اللبناني، أستطيع أن أقول لكم، إن الحقيقة هي ما ترون، لا ما تسمعون. وما رأيناه بكل عيوننا، هو أن رصاصة واحدة لم تطلق من لبنان خلال سنة من رئاستي. باستثناء حادثتين فرديتين سُجلتا في آذار الماضي. ولم تلبث سلطاتنا الرسمية أن ألقت القبض على المتورطين فيهما. وهو ما يؤكد منذ أكثر من عشرة أشهر، أن الجيش اللبناني والقوى المسلحة اللبنانية، باتت تسيطر وحدها على جنوب الليطاني عملانياً. وقد تولّت مهام هائلة لجهة تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي، من أي نوع أو تبعية كان. وقد أنجزنا ذلك، رغم كل الاستفزازات. ورغم استمرار الاعتداءات. ورغم التشكيك والتخوين والتجريح والتجني. مما كنا وسنظل نتلقاه ببسمة الواثق من صلابة حقه، وحتمية أداء واجبه، والإيمان بنجاح عمله. وقد حققنا ذلك، التزاماً منا باتفاق 27 تشرين الثاني 2024، الذي أقرّ بإجماع القوى المعنيّة، قبل رئاستي. وهو اتفاق دولي نحترم توقيعنا عليه. والأهم، حرصاً منا على مصلحة لبنان، وعلى عدم زجّه في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً الكثير الكثير. وإذ نعلن ذلك بافتخار، نؤكد تطلّعنا إلى استمرار هذا المسار في السنة الثانية من رئاستي. لتعود أرضنا كاملة تحت سلطة دولتنا وحدها. ويعود أسرانا جميعاً. ونعيد بناء كل ما تهدم، نتيجة الاعتداءات والمغامرات. وليكون جنوب لبنان، كما كل حدودنا الدولية، في عهدة قوانا المسلحة حصراً. ولنوقف نهائياً أي استدراج أو أي انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا”.
وفي غضون ذلك، التقى رئيس الحكومة نواف سلام على هامش مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسّق الإغاثة الطارئة توم فليتشر، حيث جرى عرض شامل للوضع الإنساني في لبنان، ولا سيّما في المناطق المتضرّرة من الحرب، وفي المناطق التي تستقبل العدد الأكبر من اللاجئين السوريين. كما تمّ البحث في سبل تعزيز التنسيق والتعاون مع الحكومة اللبنانية لضمان استمرارية المساعدات الإنسانية وتوجيهها بما يتلاءم مع الأولويات الوطنية للحكومة.
ليس بعيداً من هذه الاجواء، تصاعدت حمى الحملات الإعلامية التي دأب “التيار الوطني الحر” شنّها أخيراً على وزير الطاقة والمياه جو الصدي لأسباب انتخابية مكشوفة، الأمر الذي دفع بالوزير الصدي إلى الرد عبر عقد مؤتمر صحافي لإطلاع اللبنانيين على العمل القائم على صعيد قطاع الكهرباء، حيث عرض لواقع القطاع بالأرقام ولمراحل خارطة الطريق لتعافي القطاع التي يعمل عليها. وشدّد على أن “اللبنانيين يعرفون من وراء الحملات ويعرفون تاريخهم ويدركون حقيقة فشلهم خلال إدارة القطاع خلال 15 سنة وما زالوا يعانون من نتائجه. وأضاف: “من صرف 26 مليار دولار في السنوات الأخيرة كي يشتري الفيول، من حمّل الدولة دين مليار ومئتي مليون دولار ناجمة عن العقد العراقي ولم يصرف أموالاً على بناء معامل كبيرة لتلبية الحاجات، من كان يتفرج على الفيول المدعوم يهرّب إلى سوريا، من فشل بتخصيص 15 مليون دولار لترميم مبنى كهرباء لبنان الذي تضرر بانفجار 4 آب، يفترض به أن يخجل وألا يعطي الدروس”.
وزارة الإعلام اللبنانية