الرئيسية / أخبار مميزة / ندرة المياه في الشرق الأوسط: مقدمة محتملة للنزاع الإقليمي وربما الدولي مستقبلاً
Water-crisis-877141

ندرة المياه في الشرق الأوسط: مقدمة محتملة للنزاع الإقليمي وربما الدولي مستقبلاً

أعتقد أنها مقدمة محتملة للنزاع الإقليمي وربما الدولي مستقبلاً… وسد النهضة ونهر الأردن خير مثال

 

ندرة المياه هيّ من أهمّ وألح القضايا على الساحة السياسيَّة الدوليَّة في يومنا هذا، واكتسبت المسألة اهتماماً متزايداً من دولٍ وجهات دوليَّة كثيرة مؤخراً، بسبب ارتفاع درجات الحرارة العالميَّة، وارتفاع مستويات استهلاك المياه لدى كثيرٍ من الدول، خصوصاً بالشرق الأوسط. ومع ذلك يظلّ كثير من الدول غير مستعدٍ لمواجهة خطر ندرة المياه، ويستمرُّ في إغفال إعطائها الأولويَّة السياسيَّة الملائمة.

ويعدُّ الشرق الأوسط من أكثر المناطق تأثراً بندرة المياه بالعالم، وتضاعف النقص في المياه بالمنطقة في العصر الحديث بسبب ارتفاع معدلات النمو السكاني، وإقامة وتوسّع المدن، وانخفاض تسعير المياه، وعدم كفاءة الإدارة المائيَّة، ما خلق وضعاً غير مستقرٍ وشديد الخطورة سيؤثر على ما يتوافر لاستخدامات متعددة، ويحمل في طياته مخاطر خلق توترات بين الدول وجيرانها.

وتتوقع اللجنة الدوليَّة المعنيَّة بتغيّر المناخ أن يكون الشرق الأوسط من أكثر المناطق تضرراً بالعالم في القرن الحادي والعشرين، يشهد خلاله زيادة في الجفاف ومخاطر الفيضانات، ما يضر بالزراعة والمخزون الغذائي الأقل حظاً من السكان بصفة خاصة.

إذْ يعيش نحو 5٪ من سكان العالم بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في حين أنها تحتفظ بنحو 1٪ فقط من إجمالي موارد المياه العذبة المتجددة العالميَّة، وتتوافر المياه للمواطنين بمعدل 819.8 متر مكعب للفرد منذ سنين قليلة، وهو رقمٌ أقل من المتوسط العالمي للفرد الواحد بأكثر من 25٪، ويعيش 60٪ من سكان المنطقة بمناطق تعاني قصوراً في المياه السطحيَّة، في حين أن المعدل العالمي يبلغ نحو 35٪.

وعلى الرغم من هذه الندرة فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعدُّ من أدنى التعريفات العالميَّة في تسعير المياه، وأعلى نسبة مئويَّة من إجمالي الناتج المحلي تنفق على دعم المياه، وأسهم ذلك في خلق استخدامات غير رشيدة لموارد المياه وسحب مُبالغ فيه من المياه الجوفيَّة غير المتجددة الذي يشكّل أحد الأمثلة لسوء الإدارة المائيَّة وعدم تقدير لخطورة المسألة وضرورة التعامل معها بعجالة وجديَّة.

يحدد تقريرٌ للبنك الدولي المياه الجوفيَّة والأنهار الكبيرة عابرة الحدود وتحليَّة المياه مصادر رئيسة للمياه بالمنطقة، وهي مصادر محل نزاع بين دولٍ عدة بالمنطقة، أو مهددة من كثرة الاستخدام، فضلاً عن أن بعضها مكلفٌ للغايّة.

لذا، تعاني دول الشرق الأوسط نقصاً في الأمن المائي الذي يُعرّف بأنه “توفّر كميَّة ونوعيَّة مقبولة من المياه للصحة والمعيشة والنظم الإيكولوجيَّة والإنتاج، إلى جانب مستوى مقبول من المخاطر المتعلقة بالمياه على الناس والبيئات والاقتصادات”، أي أن الأمن المائي لا يقتصر فقط على الاحتفاظ باحتياطيات المياه العاليَّة، بل يأخذ بالاعتبار مدى توافر مبادرات إنتاجيَّة ووقائيَّة للتعامل مع الاحتياجات المائيَّة ومشتقاتها، لأن البلدان التي لا تتناول الأمن المائي بجديَّة تُهدر الرخاء الاقتصادي والطبيعي والسياسي والاجتماعي لمواطنيها.

وغنيٌّ عن التنويه أن الأمن المائي مرتبطٌ مباشرة بكل من الأمن الغذائي والطاقة وعدم كفاءة الري، فالنقص في توافر المياه يؤثر في الأراضي الزراعيَّة، والاعتماد المُفرط على استيراد الأغذيَّة لتلبيَّة مطالب السكان، وتستورد بلدان العالم العربي ما بين 30 و35% من مواردها الغذائيَّة، مثل الحبوب، وهي مصدرٌ أساسيٌّ لتغذيَّة سكان المنطقة، ومصر تحديداً من أكبر مستوردي القمح على مستوى العالم، تتبادل المرتبة الأولى في ذلك مع الصين التي يتجاوز شعبها عشرة أضعاف عدد سكان مصر.

وكلما زاد الاعتماد الوطني على الواردات الغذائيَّة الأساسيَّة زادت المخاطر مع حدوث اضطرابات بالأسواق العالميَّة، ومن ثمَّ يصعب تحقيق الأمن الوطني والاستقرار إذا لم يتوفر الأمن المائي والأمن الغذائي.

إثارة هذا الموضوع وطرح تلك البيانات ليس للتهويل أو الترهيب، إنما بغرض التحذير من أحد أشد المخاطر المقبلة التي لا أستبعد أن تكون سبباً أو مبرراً للنزاعات والحروب، وكذلك لدفع العقلاء والفقهاء إلى تغيير السياسات والممارسات، فالحلول موجودة إذا توافرت الإرادة السياسيَّة.

مثلاً، تبلغ كفاءة الري بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 50% فقط، وإذا رُفِعت هذه الكفاءة إلى 70% بتغيير السياسات والممارسات ستتحقق فوائد هائلة للمنطقة، وبما في ذلك توفير 50 مليار متر مكعب من المياه بالشرق الأوسط سنوياً، ما يسمح لنا بزيادة إنتاج الحبوب بشكل كبير، والعمل على إيجاد طرق أكثر استدامة لحفظ المياه وإنتاج الغذاء

وتأكيداً على ضرورة التحرّك وعجالة الموقف، أعتقد أن ندرة المياه بالمنطقة هي أيضاً مقدمة محتملة للنزاع الإقليمي وربما الدولي في المستقبل. على النطاق الوطني والإقليمي توجد مشكلة حقيقيَّة بين مصر وإثيوبيا والسودان، إذ توفر مياه النيل 75% من الإنفاق المائي المصري، والاحتياجات المائيَّة المصريَّة سترتفع وبمعدلات أسرع مع الزيادة السكانيَّة المُطَّردة، ويُنتظر أن تتصاعد المشكلة إذا لم تتوصل الدول الثلاث إلى اتفاقٍ في الأسابيع المقبلة، مع قرب بدء إثيوبيا ملء بحيرة مرتبطة بسد النهضة، كجزء من أكبر محطة للطاقة الكهرومائيَّة بأفريقيا، وانعكس حجم القلق والانزعاج المصري من بطء المفاوضات، وتدني نتائجها على تصريحاتها العلنيَّة بالحديث عن خطوط حمراء، وكذلك السعي إلى استدعاء وسيط دولي للإسهام في حل القضيَّة.

ويوجد صراعٌ إقليميٌّ آخر محتملٌ حول المياه بين فلسطين وإسرائيل، حتى إذا حُلّ النزاع السياسي وهو أمرٌ مستبعدٌ حالياً، فتسيطر إسرائيل على رأس نهر الأردن، وهذا يحدّ من توافر المياه للاستخدام الفلسطيني، كما تخضع طبقات المياه الجوفيَّة لسيطرة الحكومة الإسرائيليَّة، تاركة للفلسطينيين قدراً محدوداً للغايّة من المياه.

وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الفلسطينيين يحصلون على نحو 300 مليون متر مربع من المياه سنوياً، بينما يتمتع الإسرائيليون بنحو 2000 مليون متر مربع. إن مثل هذا التخصيص غير المتناسب أو العادل للموارد المائيَّة يزرع بذرة خلافات ونزاعات أخرى مستقبليَّة.

تنويهٌ صادقٌ وتحذيرٌ أمينٌ لقضيَّة حسّاسة وخطرة، يمكن التعامل معها بالعلم والاقتصاد والسياسة، بدلاً من أن تُشعل حروباً مقبلة إذا أُغفلت أو أُهدرت.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *