الرئيسية / أخبار مميزة / خاص – مديرية الدراسات – دراسة: نحو قواعد خلقية سلوكية للعمل الإعلامي في لبنان.. محاولات وأهداف
لوغو جديد مديرية الدراسات(1)

خاص – مديرية الدراسات – دراسة: نحو قواعد خلقية سلوكية للعمل الإعلامي في لبنان.. محاولات وأهداف

 

الدكتور العميد طوني عطا الله

لم تعد القوانين الناظمة للإعلام في لبنان من مطبوعات ووسائل مرئية ومسموعة قادرة وحدها على تنظيم المهنة الإعلامية وتعزيز إخلاقياتها، بل تبرز الحاجة إلى شرعة حيث التشريعات المتوافرة لا تغني عن وجود إعلان مبادئ أو مدونة سلوك مهني. ولا يعني تنظيم الإعلام الحد من التنافس والمساواة، بل حماية الحريات وتحسين نوعية الأداء وضبط التجاوزات ووضع حرية التعبير في إطارها التطبيقي. التشريع لا يضمن وحده الحرية.

وفي هذا السياق تندرج جهود القيمين على الاعلام في سبيل إعلان مبادئ تمثل حداً أدنى من الحرص على تمتين صدقية الإعلام اللبناني وعلى الحريات الإعلامية. من أبرز بنود هذا الإعلان: إحترام حرية الإعلاميين وإستقلالهم، وتعزيز قيم التسامح والحوار والإبتعاد عن الإثارة ولغة التحريض، ونبذ العنف الكلامي والمعنوي، وصدقية الخبر والتمييز بينه وبين الرأي، حدود السبق الإخباري والمصلحة العامة…

 

 جردة بأعمال نموذجية من أجل الوصول إلى شرعة

ليست هذه المحاولات وحيدة في هذا المجال، بل سبق لمكتب الاونيسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية إطلاق “إقتراح شرعة الإعلام في لبنان” في مكتبه في بئر حسن بتاريخ 2/5/2008 بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، أعدّتها لجنة من أنطوان مسرّة وحسّانة رشيد وجورج عوّاد، بالإضافة إلى محاولات عدة جرت منذ بداية التسعينات ركزت على حق الإعلام وفي الإعلام وعلى الإعلام الحقوقي الشعبي والإداري. نتوقف عند جردة بأبرز تلك المحاولات:

شرعة صحافية لبنانية أو الوصايا السبع من أجل شرعة خلقية صحافية في بلد متنوع كلبنان، النهار، 26/11/1985، ص 11.

ندوة وزارة الإعلام، “إعادة تنظيم الإعلام في لبنان”، 17-19/5/1991.

الحلقة الدراسية في جامعة سيدة اللويزة، “الإعلام: حرية، قانون، وتنظيم، علم وخلقية”، 15/11/1996.

ندوة نقابة المحامين في بيروت، “حرية الإعلام بين الواقع والمرتجى”، 4/12/1993.

ندوتين لمؤسسة جوزف ولور مغيزل بالتعاون مع الإتحاد الأوروبي حول موضوع: “حق المواطنين في الإعلام، وبرنامج “مرصد الديمقراطية في لبنان، 17-18/1/2003 و31/1/2003، تنسيق أنطوان مسرّة.

ورشة عمل حول “دور الإعلام في حماية حقوق الإنسان وتعزيزها”، منظمة العفو الدولية بالتعاون مع مكتب الأونيسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية، 19-20/10/2000.

برنامج “الإعلام الإداري في لبنان اليوم: إشكالية وانتاج إعلامي” الذي نظمه مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية بالتعاون مع وزارة الإعلام من خلال الايام السمعية – البصرية المنعقدة في اواخر 2001 والنصف الأول من عام 2002.

إجتماعات فريق العمل في وزارة الإعلام برئاسة الوزير طارق متري في الفصل الأخير من العام 2008، لإعداد إعلان مبادئ، وبخاصةٍ مناقشة هذه المبادئ مع ممثلين عن وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب في الوزارة بتاريخ 12 و22/12/2008.

يُستخلص من كل هذه المحاولات وجود مساعٍ حثيثة للحفاظ على دور الإعلام اللبناني ريادياً في المنطقة العربية، إزاء صورته المهتزة حالياً، في مقابل مساعٍ مضادة للتفلّت من أي ضوابط ناظمة. والحاجة تالياً إلى إضفاء صورة نوعية، على الصعيدين الدولي والوطني، عن إحترام الإعلام في لبنان لشرعة سلوك مهني، ومعالجة التسيّب، وبخاصة المتلفز، حيث تتطلب المعالجة مراعاة حقوق مستهلكي الإعلام أولاً وأخيراً، وقبل أي إعتبار آخر يتعلق بالسياسة النزاعية لبعض المحطات. ليس الإعلام والصحافة في خدمة سياسيين، بل في خدمة المستمعين والقرّاء في عيشهم ومشاكلهم اليومية.

نورد بعض الإستنتاجات والملاحظات المتعلقة بالمحاولتين الحديثتين اللتين جرت عام 2008 في إطار وضع شرعة أو إعلان مبادئ سلوكية للإعلام في لبنان وهما: تجربة الأونيسكو وتجربة الوزير متري.

تجربة الاونيسكو

إقتراح “شرعة الإعلام في لبنان” التي وضعها مكتب الاونيسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية بالتعاون مع المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، تُمثل نمطاً سلوكياً وقواعد تعزز خلقية الممارسة الإعلامية. تبرز اليوم حالات من التسيّب والإنفلاش الإعلامي، حيث قوانين المطبوعات غير قادرة على الإحاطة بكل القواعد الخلقية السلوكية للعمل الإعلامي. ترعى الشرعة حالات لا يشملها القانون. وبهذا المعنى هي أسمى من القانون، وتخلق إلتزاماً أبعد من النص الوضعي.

هذه الشرعة لدى إقرارها تتحول إلى أهم مصدر لثقافة الإعلامي الإجتماعية والسياسية في لبنان، ولحق المواطنين في الإعلام تُعرّف الناس أن لهم حقوق. لكن الشرعة تتطلب إعلاميين ملتزمين يتقيّدون بالقواعد الواردة فيها، فضلاً عن عملهم بإستمرار على تطوير معارفهم إرتقاءً إلى مستوى تلك القواعد.

مكمن قوة الشرعة لمن يطالعها، أنه لدى قراءة قواعدها تبرز سريعاً إلى المخيلة مع كل قاعدة واقعاً معاشاً ومختبراً خلال سنوات عمل وتمرّس الإعلامي بمهنته. لذلك، تًعدّ الشرعة بأنها عمل تطبيقي مستخرج من الواقع الميداني قبل ان تكون إطاراً نظرياً يتضمن مبادئ عامة.

أهمية هذه الشرعة أنها تعني العاملين في كل وسائل الإعلام: الصحافة اليومية، المجلات الدورية، وكالات أخبار، رؤساء تحرير، مسؤولين ومحررين في صفحات إقتصادية، عاملين في الوسائل المرئية والمسموعة، خبراء وفاعلين وناشطين إجتماعيين، ومواطنين مهتمين بتحسين نوعية الحياة اليومية، والبلوغية إلى الحقوق الإقتصادية الإجتماعية، ومساهمة الإعلام في التعريف بها، وبالمظالم المتعلقة بشأنها، وبالانجازات الايجابية في الادارات العامة والهيئات المهنية والنقابية والأهلية والمحاكم وغيرها.

إعلام لمجرّد الإعلام أم للمساهمة في التنمية؟

إعتاد الإعلاميون في مختلف المناطق غالباً على نقل الحدث. قلة منهم تدرك القاعدة القائلة بأن “الوقائع مقدسة، لكن التعليق حرّ”، وبأن لها دوراً يتخطى نقل الخبر إلى صناعة الحدث والإفادة من خبراتها لتوظيفها في التنمية. في أحدى المناطق اللبنانية لم تنجح كل الجهود على مدى عشرين سنة في جمع الإعلاميين مرة واحدة للبحث في مشاكل المهنة ورفع مستواها على رغم حالة التذمر السائدة في أوساطهم.

كما نظمت إحدى الإدارات العامة عام 2007 حلقة نقاشية حول العنف المنزلي دعت إليها الإعلاميين للمشاركة في عرض حالات وطرق التعامل معها. الذين حضروا من بين عشرات المدعويين لا يزيد عددهم عن أصابع اليد الواحدة.

الإعلام اليوم، لاسيما في المناطق البعيدة نسبياً عن العاصمة، منغمس عادةً في سجالات سياسيين على حساب أخبار وتحقيقات إنسانية لا تقل أهمية. وجهت مؤسسة إجتماعية تعنى بحالات تأهيل الأطفال المتخلفين وإعادة دمجهم في المجتمع، دعوة إلى الإعلاميين في المنطقة لحفل تكريم يقام على شرفهم ترغب من خلاله التعريف بخدماتها في المنطقة. لم يحضر سوى اثنين من أصل 15 شخصاً وجهت إليهم الدعوة. لو كان اللقاء ذات طابع سياسي كان الحضور الإعلامي على أشده. الإعلام المناطقي عامةً لا يهتم بتنمية دوره، ومندوبو الصحف لا يسلطون للتعريف بالمؤسسات الإنسانية، وبخاصة المؤسسات العاملة بصمت وفاعلية على أشخاص يحتاجون عناية وإهتماماً مركزاً حيثما وجدوا في العائلة أو الحي أو القرية، عوضاً عن الإستمرار في حصر إهتمامات الإعلاميين بالخلافات والسجالات بين القوى السياسية في صورة شبه حصرية.

للأسف لا يمكن إنكار وجود جيل من إعلاميين معظمهم لا يحمل شهادات ولا الخبرة المطلوبة. المشكلة معهم تكمن في روحية نقل الخبر والاسلوب الانتقائي في اختيار الوقائع في شكل منحاز. وهذا ما يجعل بعضهم أبواقاً. وكل بوق يُمثل إيديولوجيا ويقوم بعمليات ترويج لصالح شخصية أو أكثر. في المناطق إنغماس أكبر في العائلية والحزبية والحساسيات السياسية. ونادراً ما نجد إعلاميين على مسافة متساوية، إذ هناك القربى العائلية والجغرافية والعمرية والعقلية… ومشكلة عدم وجود مسافة متساوية يمكن ان تزول مع الوقت من خلال إلتزام مبادئ الشرعة، وبفعل تثقيف وتأهيل مستمر. هكذا يصبح الإعلامي قادراً على تخطي ذاته ونزواته.

التسلي الإعلامي وصحة المستهلك

ورد في الشرعة ان “التسلية الإعلامية لا نسميها إعلاماً، بل تسلية تستخدم وسائل إعلام”. تًذكّر هذه العبارة بقضية يتسلى بها الإعلاميون بين قوى متنازعة في إحدى المدن: ساحة شهداء المدينة تتخذ منها القوى المحلية قميص عثمان بهدف تحقيق مكاسب سياسية عن طريق إفراغ أحقادها على البلدية وإتهامها بأنها وراء إلغاء إسم الساحة وشارع.

في الاعلام الرسمي لا ينطلق العمل من موالاة أو معارضة خلافاً للقوى المتنازعة، لكن من حق الناس معرفة الحقيقة للتخفيف من حوارات سائبة دون أي ضوابط. في التنافس المحلي بين القوى يتسلى إعلاميون في نقل خطابات تنطوي على مغالطات رغم التدقيق في الوقائع. من الأفضل اللجوء إلى المقص لحذف نصوص لا هدف لها سوى أنها تساهم في هدر مساحات إعلامية في إطار سجالات لا تفيد الحق في المعرفة، بل في تشويش أذهان المواطنين.

ما يُقال عن التسلية الإعلامية يُقال أيضاً عن التسلية المتكررة كلما إقترب موسم الصيف والإصطياف من خلال تضخيم حالات من عسر الهضم وتحويلها إلى حوادث تسمم لضرب الموسم السياحي لبعض المطاعم.

يصل الى الاعلام الرسمي الكثير من التقارير الرسمية من المحافظ والإدارات ولاسيما مصلحة الصحة وبعضها يتضمن أسماء معامل أجبان وألبان وتعبئة مياه معدنية ومحال بيع لحوم وغيرها، وبخاصةٍ أسماء المؤسسات التي لا تستوفي الشروط القانونية والصحية للترخيص. لا  يتم نشر الأسماء في الأخبار منعاً للتشهير بأصحابها، لكن وجدنا طريقة أخرى لإفهام الناس، إذ ننشر إعلاماً إدارياً للتنبيه من وجود مخالفات في قطاع معين وعدد المؤسسات المخالفة، والطلب إلى المستهلكين أن يتأكدوا بأنفسهم من حيازة المؤسسة التي يشترون منها المواد الإستهلاكية على الترخيص أو طلب إبراز رقم الرخصة على العبوة أو العلبة وغيرها.

التحقق من صدقية الخبر

أخذت مبادئ التحقق من صحة الخبر وصدقيته حيزاً واسعاً في إهتمامات الشرعة. تذكّر هذه المبادئ بالقواعد التي سيّرت عملنا. كل الأخبار التي تردنا بالفاكس ولا يمكن التحقق من صحة ما يرد فيها يكون مصيرها سلة المهملات، وبخاصةٍ الاخبار التي تنطوي على تشهير أو تجريح بالأشخاص والعائلات والمؤسسات الإنتاجية.

ذات يوم وصلنا خبر مكتوب عن العثور في شتوره على جثة شاب في العشرين، قضى حسبما ورد في النص الإخباري بـ”جرعة زائدة من المخدرات”. واللافت ان الخبر يذكر إسم الشاب وعائلته ومنطقة سكنه ويتهمه بأنه من “عبدة الشياطين” لمجرّد وجود وشم على ذراعه. وحيث ان ما ورد في هذه المادة الإخبارية لم يكن في الإمكان التحقق منه، إضافة إلى ما قد يلحقه بعائلته وسمعتها، لذلك رمينا الخبر في سلة المهملات ككل الأخبار “المعلّبة”. وجدنا أشخاصاً قاموا بالمجازفة بسمعة مؤسسات إعلامية عريقة وتراثها: صحف كبرى قامت بنشره، ومؤسسات تلفزيونية تلذذت بعرض مشاهد الشاب عارٍ من الثياب وتتقلب الكاميرا لالتقاط المشاهد من كل جانب. وفي اليوم التالي إنتفضت الصحافية هيام قصيفي على هذا الواقع، وكتبت تعليقاً مؤثراً بعنوان: “عندما يصير الإنسان خاتماً ووشماً!”، تحدثت فيه عن الإحتراف المهين وتساءلت: “أي أخلاقية إعلامية، وهل أصبحت الوشوم، مهما كانت أنواعها، السبق الصحافي للمؤسسات التلفزيونية، كي يصبح حاملها متهماً من دون أن تثبت براءته”(النهار، 28/3/2003، ص 5).

في السنوات الـ 15 الماضية تلقينا بيانات معارضين بالفاكس وقمنا بقص العناوين لحماية مصادر المعلومات حيال ملاحقات الأجهزة، وحرصاً على حرية التعبير.

تضمنت مسودة إعلان المبادئ التي صاغتها وزارة الاعلام في السابق على قواعد تتمحور حول التخلص من الشوائب التي تسيء اليوم إلى موقع الإعلام اللبناني، ويمكن أن تندرج في إطار العناوين الآتية:

  1. نبذ ثقافة التعبئة والتبعية والعنف: جاء في مبادئ الشرعة المقترحة أن “الإفراط في الإثارة في الكثير من الأحيان، يؤدي إلى إضعاف صدقية العمل الإعلامي، فيتحول نتيجة ذلك إلى وسيلة من وسائل التعبئة والتحريض وتعميق الإنقسام بعيداً عن وظيفته. يترتب على الإعلاميين تالياً عدم الإنسياق إلى نشر كل ما يحض على العنف والبغض والإنتقامن ويقيم تمييزاً بين المواطنين على أساس إنتماءاتهم”.
  2. إحترام موجب التدقيق في الخبر: من المبادئ التي أوردتها المسودة ان “الإستعجال في نقل الخبر، رغم المنافسة الشديدة، لا يبرر الإستغناء عن المصادر الأولية أو إهمال التحقق من المصادر الثانوية والتأكد من تعددها”. يخضع الإعلام لشروط منها الدقة والتدقيق والامانة في نقل الخبر وأصول نقله. في الإعلام خلقية مهنية وتقنية وصدق. ومن شروط إعداد الإخبار في الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع إطلاع الناس على الحقائق لا إلهاءهم أو خداعهم.
  3. إعلام ثقة وشفافية وكلمات للتواصل لا للأذية: معظم المصطلحات المتداولة في الإعلام ليست بريئة. تختم مبادئ الوزير متري مسودة الإعلان بالتأكيد على ما يلي: “تعزز صدقية الإعلام، ويؤدي دوره الوطني بصورة أفضل، من خلال قبول الإختلاف ووضعه في نصابه وحفظ حقوق المختلفين في التعبير عن مواقفهم وتصحيح الاخطاء تصحيحاً صريحاً ومرفقاً بإعتذار”.

***

لبنان له دور إعلامي نهضوي في العالم العربي. أهمية تعدد إقتراحات شرعات للإعلام في لبنان أنها تأتي تعبيراً عن حاجة، وتتضمن عروضاً مفتوحة على التطوير أكثر مما يسمح به جمود التشريعات وإجراءاتها المعقدة. إتفاق وسائل الإعلام اللبنانية على شرعة سلوكية يُشكل المدخل لعودة الإعلام اللبناني إلى موقعه المميز في الشرق، ولتغيير المنمطات السائدة عن إعلامنا أمام الرأي العام اللبناني والدولي. من واجبات الإعلام في لبنان المساهمة بدوره في الحفاظ على خصوصية لبنان كموئل للحريات والعيش المشترك ولإدارة التعددية وفي إضفاء صورة مشرقة عن عمل وسائل الإعلام وتعاونها على الخير العام، ودعمها الحياة المشتركة والتواصل بين اللبنانيين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *