الرئيسية / صحف ومقالات / الجمهورية: الضرائب تضع السلاح بالمرتبة الثانية… وبري ينفي تسريباً عن التمديد
الجمهورية

الجمهورية: الضرائب تضع السلاح بالمرتبة الثانية… وبري ينفي تسريباً عن التمديد

كتبت صحيفة “الجمهورية”: المناخات الإيجابية التي طغت على جولة المفاوضات الثانية الأميركية ـ الإيرانية في جنيف، ودفعت على الاعتقاد باحتمال توصّل واشنطن وطهران إلى اتفاق نووي، قابلها غضب شعبي على الحكومة، بدأت إرهاصاته أمس، بسبب قرارها رفع سعر صفيحة البنزين وزيادة الضريبة على القيمة المضافة. ما طرح تساؤلات كثيرة حول مصيرها، وبالتالي مصير الانتخابات النيابية، خصوصاً انّ حكومات سابقة كانت سقطت تحت ضغط من هذا النوع، وبسبب قرارات مماثلة اتخذتها.

لم يكن تحرّك الشارع أمس ضدّ قرارات الحكومة برفع سعر صفيحة البنزين وزيادة الضريبة على القيمة المضافة مجرّد ردّ فعل عفوي على أعباء معيشية إضافية، بل بدا أقرب إلى انفجار تراكمي لغضبٍ اجتماعي يتخمّر منذ سنوات. فالقراران أصابا مباشرةً صلب الحياة اليومية للبنانيين، في لحظة اقتصادية دقيقة، يتراجع فيها الدخل الحقيقي وتتآكل القدرة الشرائية.

وقالت مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، انّ قراءة هذا التحرّك تقتضي فصله عن التوصيف التقليدي للاحتجاجات. فالمسألة لم تعد محصورة في الاعتراض على سياسة مالية محدّدة، بل في اهتزاز الثقة الشامل بإدارة الدولة للأزمة، لأن ارتفاع سعر المحروقات لا ينعكس فقط على النقل، بل ينسحب تلقائياً على أسعار السلع والخدمات، فيما زيادة الـTVA تُصيب الاستهلاك اليومي مباشرة، ما يجعل أثرها مضاعفاً على الفئات الوسطى والفقيرة.

ولذلك، يوجّه حراك الشارع ثلاث رسائل واضحة:

ـ رفض تحميل الكلفة للناس وحدهم. إذ ثمة شعور واسع بأنّ السلطة تلجأ إلى جيب المواطن بدل معالجة مكامن الهدر والفساد.

ـ تحوّل المزاج من الاعتراض إلى المحاسبة، لأنّ الشارع لم يعد يطالب بإجراءات تصحيحية فحسب، بل يلوّح بورقة الانتخابات كأداة عقاب.

ـ قابلية التسييس، حيث انّ أي تحرك اجتماعي في لبنان قابل لأن يتداخل مع الحسابات السياسية والحزبية، سواء عبر دعمه أو استثماره أو احتوائه.

واكّدت المصادر نفسها، انّ مصير الحكومة سيتوقف على مدى قدرتها على إدارة الأزمة سياسياً لا مالياً فقط. فإذا اكتفت بالدفاع التقني عن قراراتها تحت عنوان «الضرورة» أو «شروط المؤسسات الدولية»، فإنّها تخاطر بتوسيع الفجوة بينها وبين الرأي العام. الأمر الذي سيضعها امام ثلاثة سيناريوهات:

ـ الإحتواء السريع للحراك الشعبي عبر تقديم حزم تعويضية أو تعديل جزئي في القرارات لامتصاص الغضب.

ـ التصلّب والمراهنة على الوقت، ما قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات واتساع رقعتها.

ـ الاهتزاز السياسي في حال تحوّل الضغط الشعبي إلى انقسام داخل مكوّنات الحكومة نفسها، خصوصاً إذا شعرت بعض القوى بأنّ الكلفة الإنتخابية باتت مرتفعة.

وأشارت المصادر إلى انّه «في الحالة اللبنانية، غالباً ما لا تسقط الحكومات بسبب الشارع وحده، بل حين يلتقي الشارع مع تصدّع سياسي داخلي. فإذا بقيت القوى المشاركة متماسكة، قد تنجو الحكومة، ولو بثمن شعبي باهظ. اما إذا تفسحت فإنّ مصير الحكومة سيصبح موضع بحث».

وقالت المصادر، انّ الحديث المتزايد عن احتمال تأجيل الانتخابات أو التمديد للمجلس النيابي لا ينفصل عن مناخ القلق السياسي. فبعض القوى قد ترى في تأجيل الاستحقاق وسيلة لتفادي خسائر محتملة في ظل مزاج شعبي ناقم. لكن خيار التمديد يحمل مخاطره أيضاً، إذ قد يُفهم كالتفاف على الإرادة الشعبية، ما يفاقم الاحتقان بدل تهدئته». وأضافت: «إذا جرت الانتخابات في موعدها، فإنّ الأزمة المعيشية ستكون العنوان الأبرز للحملات الانتخابية. فالقوى المعارضة ستبني خطابها على تحميل الحكومة مسؤولية الانهيار والضرائب، فيما ستسعى قوى السلطة إلى تبرير خياراتها باعتبارها «الأقل كلفة»، في ظل واقع مالي ضاغط. ولذلك باتت المعادلة الحالية كالآتي: الشارع يضغط، والحكومة تناور، والقوى السياسية تحسب أرباحها وخسائرها. ففي الأنظمة الديموقراطية، يشكّل صندوق الاقتراع صمام أمان لتصريف الغضب الشعبي. أما حين يُطرح خيار التأجيل أو التمديد، فإنّ الرسالة التي يتلقّاها المواطن قد تكون معاكسة تماماً. وبذلك، يمكن القول إنّ الاحتجاجات الحالية ليست فقط على سعر صفيحة البنزين أو نسبة الـTVA، بل على نموذج إدارة الأزمة برمّته. وإذا لم تُقابل بخطوات إصلاحية جدّية تعيد شيئاً من الثقة، فإنّها قد تتحول إلى نقطة تحوّل سياسية، إما عبر تعديل موازين القوى في الانتخابات، أو عبر إدخال البلاد في سجال دستوري وسياسي حول شرعية التمديد».

المرتبة الثانية

وإلى ذلك، قالت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، إنّ جلسة الإثنين التي كانت بالنسبة إلى الولايات المتحدة الاميركية محطة منتظرة منذ أسابيع لإطلاق المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح أو حصره أو احتوائه، تحوّلت فجأة إلى العنوان المطلبي الضرائبي. وهذا الأمر أدّى إلى جعل ملف السلاح في المرتبة الثانية.

وسألت هذه المصادر: «هل إنّ ما جرى، لجهة إشعال الشارع والتهديد بتفجير الحكومة هو سيناريو مرسوم مسبقاً، وقد بدأت تتظهر فصوله خصوصاً في جلسة الموازنة، كمخرج مدروس آنياً للمواجهة حول ملف السلاح؟»، وتضيف: «ربما نجحت القوى السياسية اللبنانية مرّة أخرى في تدبير طريقة للتهرّب من المواجهة الحاسمة مع المطلب الأميركي المتعلق بالسلاح. فواشنطن الحريصة جداً على استقرار لبنان وعلى استمرار حكومته، ستتردّد كثيراً في الضغط على لبنان والحكومة في مسألة السلاح، فيما هي تترنح تحت ضغط الشارع والحراك المطلبي».

في غضون ذلك، نفى المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب نبيه بري ما أوردته إحدى القنوات التلفزيونية حول التمديد للمجلس النيابي، مؤكّداً انّه «محض إختلاق وعار من الصحة جملة وتفصيلاً».

وكانت بيروت ومناطق لبنانية عدة استفاقت على حراك في الشارع احتجاجاً على رفع صعر صفيحة البنزين وزيادة الضريبة على القيمة المضافة من 11 إلى 12 في المئة. وقد تجمّع عدد من المحتجين مساء امس في ساحة رياض الصلح من دون أي قطع للطرق، وذلك رفضًا لقرار الزيادة على أسعار البنزين والـ TVA.

وفي هذه الأثناء، قطع المحتجون طريق أوتوستراد عدلون بالإطارات المشتعلة. فيما كانت سُجّلت صباحاً، زحمة سير خانقة عند جسر الرينغ في وسط بيروت، بعدما أقفل محتجّون الطريق اعتراضاً على قرار الحكومة الأخير، كما تمّ اقفال طريق الكولا والطريق الساحلية إلى الجنوب عند مثلث خلدة، كذلك أُقفل اوتوستراد البالما في طرابلس بشكل جزئي.

وصدر جدول تركيب أسعار المشتقات النفطية عن وزارة الطاقة والمياه في السادسة صباحاً بدل التاسعة على جاري العادة.

وغرّد وزير الطاقة جو الصدي عبر منصة «X» مؤكّداً أنّه اعترض خلال جلسة مجلس الوزراء «بشكل واضح ومباشر على إقرار أي زيادات ضريبية في هذه المرحلة»، وقال: «سجّلتُ رفضي لطرح زيادة على البنزين وعلى الـTVA… وعلى رغم اعتراضي، فإنني من موقعي الوزاري، ملزَم بتطبيق ما يصدر عن مجلس الوزراء من قرارات».

وعلى إثر إقدام محطات محروقات على رفع خراطيمها، ما أوحى باحتمال حصول ازمة في توزيع المحروقات، سارع ممثل موزّعي المحروقات فادي أبو شقرا إلى التأكيد أن مادّتَي البنزين والمازوت متوافرتان في الأسواق اللبنانية، مشيرًا إلى أنّ الكميات الموجودة في لبنان جيدة ولا تدعو إلى القلق.

ونفى الشائعات التي تتحدث عن أي شحّ في مادة البنزين أو المازوت أو في المحروقات عمومًا. وأوضح أنّ الضريبة التي فرضها مجلس الوزراء على مادة البنزين أصبحت سارية المفعول، بعد صدورها ضمن جدول أسعار المحروقات امس.

سلام وجابر يلطّفان

وحاول رئيس الحكومة نواف سلام تلطيف الواقع وتهدئة الشارع. فقال خلال جولة في طرابلس «الأهم انّ القطاع العام يستحق هذه الزيادات وهي زيادات متأخّرة. والعسكريون يستحقونها. وبالنسبة إلى الجامعة سنفرّغ مزيداً من اساتذتها المتعاقدين منذ زمن طويل، ويجب ان يتفرّغوا، فالجامعة تفتقر اليهم». واضاف: «اما القطاع العام، فنحن نتطلع لكي تصل للعاملين فيه الحقوق، أقله اليوم براتب مقبول. الكلفة تقدّر لهذه الامور بنحو 800 مليون دولار من أين سنؤمّنها؟ نحتاج ان ندفع غداً للعسكريين. وبالعودة إلى القرار سنجد اننا قرّرنا تحسين جباية الضرائب وتحسين الجباية الجمركية التي تحسنت بنسبة 150%… وايضاً سنعيد النظر بكل الأملاك البحرية والنهرية لتحصيل كل المتأخّرات، هذا هو الأساس. وايضاً قلنا اننا أضفنا 1% على tva وهي ضريبة على الأغنياء اي 1% فقط، ولم نقم مثلاً بزيادة نسبة كبيرة لنتمكن من التأمين الفوري للمدخول الذي نحتاج اليه للقطاع العام وللعسكريين وللاساتذة، وهذه لا تطاول غالبية أصحاب الدخل المحدود والطبقات الشعبية، لأنّ التعليم معفى من هذه الضريبة والصحة معفية والكثير ايضاً من المواد الاستهلاكية معفاة، وفوق كل ذلك لا يمكننا ان نقبل بالقول إننا قمنا بزيادات تؤثر على الطبقات الشعبية». وتابع: «طبعاً هناك من اعترض على الزيادة على البنزين. نحن اضطررنا لذلك. فهل مثلاً تعتقدون اننا كنا فعلاً نرغب بذلك؟ لم يكن قراراً سهلاً، ونحن في الوقت عينه ألغينا زيادات على المازوت، لأنّ هذا الامر يتعلق بأناس يستفيدون من هذه المادة في الجرود في هذا الموسم، موسم البرد، وايضاً يتعلق بالصناعيين، فنحن لا نريد ان نتسبب بأي ضرر».

بدوره، شرح وزير المال ياسين جابر خلفيات القرار وأبعاده. فقال في مؤتمر صحافي عقده في الوزارة: «وصلنا إلى أزمة متصاعدة وقطاع عام مشلول يعاني، وكان لا بدّ من قرار، حصل تفاوض مع العسكريين واجتماع في وزارة الدفاع، وكان التوجّه لإقرار الزيادة، وتفهّم المجتمعون انّ إقرارها من دون مداخيل سيعرّض البلد لأزمة». ولفت إلى انّ «إعطاء الزيادة من دون مدخول، يعرّض البلد الى أزمة. وهذه كانت توصية صندوق النقد الدولي. ونحن حرصاء جدًا على المحافظة على التوازن المالي». وأوضح أنّ «الخزينة لا تستطيع دفع 800 مليون دولار. والقرارات التي اتُخذت لا تغطي المبلغ كاملًا، ولكن سنجتهد لتأمينه. وأكثر من 50% من الموازنة اليوم هي رواتب، وكان لا بدّ من اتخاذ خطوات لتأمين أموال». وأوضح أنّ «موظفي القطاع العام يحصلون على صفائح بنزين، والدولة تدفع ثمنها من الخزينة. وأن 30% من البضاعة المستوردة معفاة من القيمة المضافة». وأشار إلى أنّه «كان من الضروري اتخاذ خطوات من أجل تحقيق التوازن وتغطية بعض المطالب والقرارات الحكومية ستؤمّن 620 مليون دولار»، وقال: «اتخذنا القرار بتطبيق الزيادة على البنزين فوراً لمنع السوق السوداء. أما تنفيذ الزيادة على الـTVA فيحتاج إلى قانون، ولن يتمّ فوريًا. وكل شيء يعود لطبقة ذوي الدخل المحدود معفى من الضرائب». واعتبر أنّ «موظفي القطاع العام يحصلون على تقديمات صفائح بنزين وبالتالي مقولة «أعطيناهم من ميل وأخدناهم من ميل» غير صحيحة». وأكّد «العمل على كل الجبهات لاستعادة اموال الخزينة. وللمرّة الأولى صدرت اوامر تحصيل اموال من الكسارات». كذلك أكّد العمل على «الالتزام الضريبي وتطبيق القانون 44 المتعلق بتبييض الأموال، وفي الجمارك زادت العائدات وقمنا بنقلة نوعية». أضاف: «للمرّة الأولى حوّلنا 200 شركة للنيابة العامة بسبب تهرّبها من الضرائب، وزدنا عائدات الجمارك ونعمل على أمور كثيرة لتحسين الجباية».

«لن ننسحب»

من جهة ثانية، وبعد إقرار الحكومة خطة الجيش لحصر السلاح شمال الليطاني حتى نهر الاولي، وعشية اجتماع سفراء المجموعة الخماسية في السفارة المصرية تحضيراً لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس في 5 آذار المقبل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس «انّ بقاءنا في النقاط الخمس في جنوب لبنان لم يكن جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار، لكنّنا فرضناه على أرض الواقع وقبل به الأميركيون». وقال: «لن ننسحب من لبنان طالما يمتلك «حزب الله» سلاحاً».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *