كتبت الدكتورة مخزوم مقالا تحت عنوان “مع بداية العام الجديد دعونا نضع الإنسان في قلب المعرفة”، اكدت فيه ان التربية بوصفها أكثر من مجرد نقل للمعرفة أو تدريب على المهارات. التربية، في جوهرها، هي فعل إنساني يهدف إلى بناء العقل النقدي، وتنمية الحسّ الأخلاقي، وتعزيز القدرة على التفكير المستقل. في زمن الذكاء الاصطناعي، لا يكفي أن نُتقن استخدام الأدوات، بل يجب أن نُتقن مساءلتها. لا يكفي أن نعلّم كيف نصل إلى المعلومة، بل لماذا نستخدمها، وكيف، ولأي غاية، وجاء في المقال:

نبدأ عامًا جديدًا في عالم لم يعد يعاني من نقص في المعلومات، بل من فائضٍ مربكٍ فيها. عالم تتدفّق فيه البيانات بلا توقف، وتتسارع فيه التقنيات إلى حدّ يسبق قدرتنا أحيانًا على الفهم والاستيعاب. وبين شاشة تُحدّث نفسها كل ثانية، وخوارزمية تقترح علينا ما نقرأ وما نشاهد، يصبح السؤال الجوهري: ماذا بقي للإنسان؟ وما موقعه في هذا المشهد المعرفي المتحوّل؟
لقد دخلنا عصرًا تُنتَج فيه المعرفة بكبسة زر، ويُختصر فيه التعلم أحيانًا إلى مهارة تقنية أو شهادة رقمية. الذكاء الاصطناعي، بما يملكه من قدرات هائلة على التحليل والتنبؤ، أعاد رسم ملامح الاقتصاد، والتعليم، والإعلام، وحتى العلاقات الإنسانية. غير أن هذا التقدم، على أهميته، كشف في المقابل هشاشةً متزايدة في الوعي، واتساعًا للفجوة بين ما نعرفه فعلًا، وما نفهمه بعمق.
إن تراكم المعلومات لا يعني بالضرورة بناء وعي. قد نحفظ أرقامًا، ونسترجع معطيات، ونستخدم أدوات متطورة، لكننا نعجز عن الربط، أو عن التمييز، أو عن طرح السؤال الأخلاقي البسيط: لماذا؟ المعرفة الحقيقية ليست كمًّا يُخزَّن، بل قدرة على الفهم، والتأمل، واتخاذ الموقف. هي علاقة حيّة بين الإنسان وما يتلقاه، لا عملية استهلاك سريعة لما يُعرَض عليه.
من هنا، تبرز التربية بوصفها أكثر من مجرد نقل للمعرفة أو تدريب على المهارات. التربية، في جوهرها، فعل إنساني يهدف إلى بناء العقل النقدي، وتنمية الحسّ الأخلاقي، وتعزيز القدرة على التفكير المستقل. في زمن الذكاء الاصطناعي، لا يكفي أن نُتقن استخدام الأدوات، بل يجب أن نُتقن مساءلتها. لا يكفي أن نعلّم كيف نصل إلى المعلومة، بل لماذا نستخدمها، وكيف، ولأي غاية.
إن التربية التي تُعدّ الإنسان لسوق العمل فقط، دون أن تُعدّه للحياة، تتركه عاريًا أمام سيل التأثيرات الرقمية. أما التربية التي تضع القيم في صلب المعرفة، فهي وحدها القادرة على حماية الإنسان من التحوّل إلى مجرّد رقم في منظومة تقنية. التفكير النقدي، المسؤولية، احترام الحقيقة، والقدرة على الاختلاف، ليست مهارات ثانوية، بل ركائز أساسية لأي مشروع تعليمي جاد.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل دور التربية عن دور الإعلام. فالإعلام اليوم لم يعد ناقلًا محايدًا للخبر، بل لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الوعي العام. بين العناوين السريعة، والمحتوى المقتطع من سياقه، وانتشار الأخبار المضللة، باتت مسؤولية الإعلام مضاعفة. لم يعد المطلوب فقط أن يُعلِم، بل أن يُنير. أن يقدّم المعرفة في إطارها الصحيح، وأن يحترم عقل المتلقي، وأن يوازن بين سرعة النشر وصدق المضمون.
الإعلام المسؤول هو شريك في التربية، وحارس للوعي الجمعي. وهو مطالب، أكثر من أي وقت مضى، بأن يقاوم منطق الإثارة الفارغة، وأن يواجه هيمنة الخوارزميات التي تفضّل ما يُثير الانتباه على ما يبني الفهم. فحين يتخلى الإعلام عن دوره التنويري، يترك فراغًا تملؤه الفوضى المعرفية، ويتحوّل الجمهور إلى ضحية سهلة للتلاعب.
من هنا، تصبح الدعوة إلى إعادة الإنسان إلى قلب المعرفة دعوةً ملحّة لا تحتمل التأجيل. الإنسان ليس عائقًا أمام التقدم، بل شرطه الأساسي. قيمه، وأخلاقه، وقدرته على الفهم، هي ما يمنح التكنولوجيا معناها واتجاهها. دون هذا البعد الإنساني، تتحوّل المعرفة إلى قوة بلا بوصلة، والتقدم إلى سباق بلا غاية.
مع بداية هذا العام الجديد، نحن أمام فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى: ماذا نريد أن نعلّم؟ أي إعلام نريد؟ وأي إنسان نطمح إلى بنائه؟ هي أسئلة لا يجيب عنها فرد واحد أو مؤسسة واحدة، بل مسؤولية مشتركة بين المربين، والإعلاميين، وصنّاع القرار، وكل فرد يشارك في إنتاج المعرفة أو استهلاكها.
إن وضع الإنسان في قلب المعرفة ليس شعارًا، بل خيارًا حضاريًا. خيار يعيد للتعليم معناه، وللإعلام رسالته، وللتكنولوجيا إنسانيتها. وفي عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، يبقى الرهان الحقيقي على إنسان واعٍ، قادر على الفهم قبل الاستخدام، وعلى الاختيار قبل الانسياق. هكذا فقط يمكن أن يكون العام الجديد بداية لمسارٍ أكثر توازنًا، وأكثر عدلًا، وأكثر إنسانية.
وزارة الإعلام اللبنانية