الرئيسية / صحف ومقالات /  النهار:المفاوضات المالية الشاقة تحت وطأة الانزلاق الوبائي
flag-big

 النهار:المفاوضات المالية الشاقة تحت وطأة الانزلاق الوبائي

هل يكفي ان تضج البلاد في الأيام الثلاثة الأخيرة بترداد التصريحات الحكومية والوزارية والرسمية التي تقرع المواطنين او بعضهم للتفلت الكبير الذي أعاد حالة التعبئة الصحية الى المربع الأول منذرا بالانفجار الوبائي غير المسيطر عليه؟. واذا كان لا يمكن التنكر واقعيا لمشاهد التفلت والفوضى وسقوط معايير الحماية الشخصية الإلزامية من وضع الكمامات والقفازات والتزام مسافة التباعد والحجر الإلزامي للعائدين من الخارج لمدة أسبوعين حتى لو كانت نتائج فحوصاتهم سلبية، فهل يحجب ذلك أيضا مسؤولية الحكومة وتحديدا بعض الوزارات والإدارات والأجهزة في الرصد والمراقبة والمتابعة منعا لهذا التفلت؟.

أسئلة كثيرة بل أيضا شكوك واسعة اثارتها الساعات الـ48 الأخيرة بعدما ثبت ان القفزات الصادمة في سقف الإصابات بفيروس كورونا تسببت بها أولا كثافة مفاجئة في اعداد اللبنانيين العائدين من الخارج، ومن ثم القفزات المفاجئة الأخرى في إصابات المقيمين بسبب التفلت والاختلاط العشوائي الامر الذي هدد بسقوط مخيف لكل ما اعتبر إنجازات في المرحلة الأولى من مواجهة لبنان للانتشار الوبائي بنجاح ملحوظ.

لكن المعطيات الجدية التي توافرت حيال ملابسات الارتفاع المقلق في إصابات الوافدين من الخارج، لم تعف الجهات المنظمة للرحلات من ملابسات ترافق هذه الرحلات لجهة عدم التزام المعايير الصارمة لحماية العائدين الى حين وصولهم الى بيروت، ومن ثم المتابعة الدقيقة والصارمة لهم بعد توزعهم في لبنان. كما تحدثت معطيات عن تباينات حصلت بين وزارات وإدارات حول مسؤوليات متابعة أوضاع العائدين ورصد التزامهم لموجبات الحجز المنزلي الامر الذي ساهم في الفوضى الحاصلة. والانكى من ذلك ان تضاف “لمسات” الفساد على هذا التطور المقلق والمنذر بإعادة لبنان الى نقطة الصفر في الحجز والحجر امام خطر تفلت الانتشار الوبائي، وهي اللمسات التي كشف عنها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ملمحا الى شهادات صحية مزورة تمنح في بلدان معينة للعائدين الى لبنان. في أي حال يمكن القول ان العد العكسي السريع والقصير انطلق امس لاختبار أخر فرصة قبل العودة الى إجراءات بالغة التشدد وربما اكثر من الإجراءات التي اتخذت في الموجة الأولى بعد اعلان حال التعبئة العامة في منتصف آذار الماضي. وقد اكد ذلك وزير الصحة حمد حسن مساء امس حين اعتبر ان الارتفاع المفاجئ في الإصابات شكل صدمة للجميع عازيا ما جرى في الساعات الثماني والأربعين الأخيرة الى التفلت والاستهزاء بكل معايير الحماية. وكشف انه في الـ48 او الـ72 ساعة المقبلة ستجري الوزارة عملية مسح ميداني من خلال فحوص في المناطق بمعدل 200 فحص في كل بلدة ومن ثم يجري تقويم الوضع الوبائي على أساس هذا الكشف ملمحا الى امكان اعلان اقفال عام ما بين 48 و72 ساعة. وجاء ذلك بعدما اتسمت تطورات الازمة الوبائية بطابع دراماتيكي في اليومين الأخيرين وسط ارتفاع مطرد في عدد الإصابات المقيمة والوافدة سواء بسواء كما في ظل حادث إصابة 13 عسكريا في المحكمة العسكرية واتساع الإصابات في بعض المناطق مثل عكار. وزادت وتيرة القلق مع مشاهد التفلت الشعبي في عدد من المناطق من الالتزامات التي حددتها وزارتا الصحة والداخلية والجهات الطبية حيث بدت مظاهر التجمعات مخيفة مثلا على كورنيش المنارة كما في زحلة ومدن وبلدات عدة أخرى. وارتفع العدد التراكمي للإصابات امس الى 845 بزيادة 36 إصابة بينها 23 لمقيمين و13 لوافدين من الخارج، فيما بلغت حالات الشفاء 234 حالة ولم تسجل أي حالة وفاة جديدة. وبإزاء هذا التطور، نبهت وزارة الصحة المواطنين الى ضرورة التزام التشدد بشروط الحجز المنزلي لمن يطلب منهم ذلك. وإذ حذرت من إعادة الواقع الوبائي الى مرحلة الانتشار الواسع، دعت جميع المواطنين الى الابتعاد عن التجمعات وضرورة وضع الكمامات لدى الخروج من المنزل ومخالطة الآخرين. كما أعلنت وزارة الداخلية تعديلا في قرار توقيت الخروج الى الشوراع اذ صار بين السابعة مساء والخامسة فجرا، وحذرت بدورها من ان استمرار بعض المواطنين في عدم التزام إجراءات الوقاية سيؤدي الى الاقفال التام للإدارات والمؤسسات والشركات والمحال التجارية.

المفاوضات الشاقة
ومع ان تطورات ازمة الانتشار الوبائي احتلت واجهة المشهد الداخلي في لبنان في الأيام الأخيرة، فان ذلك لم يحجب الانشداد الى الخطوة البارزة المتصلة بالازمة المالية والاقتصادية الآخذة في التفاقم وهي انطلاق المفاوضات المرتقبة بدءا من الساعات المقبلة بين لبنان وصندوق النقد الدولي حول برنامج الصندوق لمساعدة لبنان في ظل الخطة المالية التي قدمتها الحكومة له كمنطلق لهذه المفاوضات. وعلى رغم الطابع التهليلي الذي تحيط به الحكومة بمعظم مكوناتها هذه الخطوة كممر إلزامي لا بديل منه لتلمس مساعدات من الصندوق، فان اوساطا معنية بمتابعة المفاوضات المرتقبة بين لبنان وصندوق النقد الدولي حذرت من خطورة إيهام اللبنانيين بان مجرد انطلاق المفاوضات يعني ذلك ان الحكومة حققت تعويما سياسيا وديبلوماسيا دوليا من بوابة الصندوق. وقالت ان الأيام التي أعقبت تقديم الحكومة الطلب الرسمي الى صندوق النقد الدولي اتسمت بمؤشرات غير مريحة لجهة اغراق الرأي العام الداخلي بمعطيات غير واقعية تستعجل نتائج المفاوضات وتصور الامر من زواية تاييد بعض الجهات للخطة. ولكن ذلك لا يعني ابدا ان اتجاهات هذه الخطة قد تحظى برضى وموافقة صندوق النقد الذي توجه نظرته الى الأمور معايير معروفة بتشددها خصوصا لجهة التحقق من الأرقام والنسب والتوقعات والاهم التعهدات الإصلاحية. لذا تؤكد هذه الأوساط ان الحكومة ستبدأ شق طريق وعرة في مفاوضاتها مع الصندوق التي يرجح ان تستمر لفترة غير قصيرة لبلورة نتائجها الامر الذي يشكل للحكومة الامتحان الشاق والأكثر صعوبة في إدارة عملية التفاوض لكي يؤمن لبنان التوازن الممكن بين حاجته الشديدة الى دعم الصندوق وتحليه بقدرة صد أي مصادرة لقراره وحرية حركته في هذه المفاوضات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *