الرئيسية / صحف ومقالات / النهار: وعد ميقاتي “الحاسم”… أخطار داهمة تحتّم الحكومة؟
النهار

النهار: وعد ميقاتي “الحاسم”… أخطار داهمة تحتّم الحكومة؟

 اغلب الظن ان لسان حال اللبنانيين امس كان يتمنى لو ان محطات التلفزة حجبت عنهم التغطية المباشرة لجلستي مناقشة الموازنة، وتركتهم يحتفلون بانتصار فرح خرق كآبة يومياتهم عبر الفوز المدوي لفرقة “مياس”. ولا يتصل الامر بهذا الحدث الفني المبهر فقط، اذ ان مفارقتين لافتتين برزتا في مناقشة مجلس النواب للموازنة تمثلتا أولا في ان الجلسات انطلقت على وقع سقف قياسي جديد سجله ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء وتجاوز37 الف ليرة. وثانيا في ان الموازنة التي شرع المجلس في مناقشتها متأخرة عن موعد استحقاقها عشرة اشهر، وجدت نفسها “يتيمة” في منبريات البرلمان بحيث تعذر العثور على كتلة او نائب يدافع عنها. وبدا كأن هناك شبه اجماع على اشباعها انتقادات وتحفظات ورفضا، علما ان معظم الكتل ساهمت في وضعها وصياغتها ان عبر الحكومة وان عبر لجنة المال والموازنة . وتاليا تحولت مناقشات المجلس في الغالب الى منبر للمزايدات باعتبار ان كل المؤشرات تؤكد ان الاكثار من الانتقادات والتحفظات والاعتراضات لن يمنع مرور الموازنة في نهاية الامر.

 ووسط هذه العراضة المجلسية، لم يكن غريبا ان يتحول الحدث الأهم الى التعهد غير المسبوق الذي قيد رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي نفسه به من خلال إعلانه من قصر بعبدا ان زيارته المقبلة للقصر، بعد عودته من زيارتيه للندن ونيويورك، لن تنتهي الا بطلوع الدخان الأبيض إيذانا بتاليف حكومة جديدة. بدا هذا التطور كأنه يخفي معطيات مهمة بعضها معلوم وبعضها مستتر. ولكن ثمة انطباعات تؤكد ان التعهد الجازم بتاليف حكومة وعلى الأرجح من طريق تعديل موسع بعض الشيء للحكومة الحالية تمليه أولويات واخطار ملحة وضاغطة وداهمة ابرزها أولا قطع الطريق على افتعالات دستورية بدأ العهد يهول بها، وثانيا التحسب لتطورات بارزة في ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، وثالثا التحسب الأكبر لفراغ رئاسي يفضل ان تكون حكومة كاملة الجهوزية مستعدة لمواجهة احتماله، يضاف الى ذلك رابعا تسارع تداعيات الازمات الحياتية والاجتماعية بما ينذر بواقع بالغ الخطورة .

 وبدا لافتا في هذا السياق تزامن التعهد بانهاء ازمة الاستحقاق الحكومي مع ما أفادت به وكالة “رويترز” من ان فريقا من صندوق النقد الدولي سيزور لبنان في 19 أيلول الجاري، لمناقشة تنفيذ اتفاق على مستوى الخبراء. وقال صندوق النقد: “نتطلع إلى دعم لبنان لكن تنفيذ الإصلاحات ضروري لإنهاء الأزمة”.

ميقاتي في بعبدا

اذن، وقبل انطلاق جلسات مناقشة الموازنة امس قام بها الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، عشية مغادرته الى لندن فنيويورك، بزيارة الى قصر بعبدا والتقى رئيس الجمهورية ميشال عون. وأفادت المعلومات انه جرى عرض موضوع تشكيل الحكومة والتطورات المتلاحقة في هذا الشأن والاتصالات الجارية للاسراع في عملية التأليف. كما تطرق البحث الى آخر المعطيات المتعلقة بملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية ومهمة الوسيط الاميركي آموس هوكشتاين، كذلك شمل البحث ايضاً اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة وكلمة لبنان التي سيلقيها الرئيس ميقاتي كرئيس للوفد اللبناني. وبعد اللقاء، توجه الرئيس ميقاتي الى الصحافيين مبتسماً وقال وهو يغادر القصر الجمهوري: “هالمرة قعدنا نص ساعة، مشوار الجايي رح اجي وضلني قاعد حتى تشكيل الحكومة، وما رح روح، رح نام هون”. ولما سئل عن الموعد المقبل، اجاب: “بعد عودتي من السفر”.

ولم يكن ممكنا في هذا السياق تجاهل الاندفاعة التصاعدية التي يبديها “حزب الله” في حضه على تسهيل تأليف حكومة وحتى تعويم الحكومة الحالية بما يوحي انه لا يؤيد موقف الرئيس عون بتعيين ستة وزارء دولة إضافيين كشرط لتاليف الحكومة . وكان آخر ما سجل من مواقف الحزب في هذا السياق قول نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، إن “الفرصة لم تفت لتأليف الحكومة ويمكن الإستفادة من الحكومة الحالية كمنطلق لتأليف الحكومة الجديدة، خصوصا أنَّ القوى المشاركة في هذه الحكومة هي القوى نفسها التي ستؤلف الحكومة القادمة خلال هذا العهد، وبالتالي ما الذي تغيّر؟” وأضاف “كما اخترنا هذه المجموعة من المسؤولين والوزراء يمكن المحافظة عليهم أو إجراء تعديلات طفيفة تؤدي إلى إنجاز الحكومة بدل أن نبني عليها آمالًا وتطلعات كثيرة، لأنّ تشكيل الحكومة نفسه هو خطوة إلى الأمام، تساعد في الحقيقة على تسهيل انتخاب الرئيس خاصة أنّ الفترة الزمنية للحكومة قصيرة وبالتالي لا داعي لأن نعقّد الشروط والمطالب، لأن مصلحة البلد في تشكيل الحكومة وإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها أعلى وأهم وأفضل”.

الجلسة

اما في جلسات الموازنة، فلم يغب الاستحقاق الرئاسي عن المناقشات النيابية وكان ابرز ما سجل في هذا السياق ردّ رئيس مجلس النواب نبيه بري على سؤال للنائبة بولا يعقوبيان حول تحديد موعد لجلسة لانتخاب رئيس للجمهورية، اذ قال “هذه صلاحيتي وانا أقدّر، عندما يكون هناك شيء من التوافق سوف أدعو الى جلسة”. ورأى “أن المغامرة أن ندخل الى المجلس وأن لا يكون هناك توافق ويكون هناك تفرق” مشددا على “أن التروي مطلوب في هذا الموضوع”، وأكد “أننا نريد شيئا من التوافق عندها سوف تجدونني أحدد جلسة فوراً.”

اما في المناخ العام لمناقشات الكتل والنواب، فبدا لافتا للغاية تسجيل رفض نيابي شبه جامع لما تضمنته الموازنة وسط انتقادات للواردات والنفقات التي “لا تحاكي واقع الانهيار”، وتحفظات سُجلت في محضر الجلسة لاسيما لجهة عدم إقرار مشاريع قوانين قطع الحساب. وهو ما توقف عنده بالذات رئيس لجنة المال النائب ابرهيم كنعان. واعتبر رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد ان “أرقام الموازنة تكشف عمق الأزمة الخانقة التي نعايشها”. واضاف: “الموازنة مجافية شكلًا للأصول المعتمدة”. وقال “ليس للحكومة ورئيسها ووزير ماليتها ان يتباهوا بإنجاز مشروع الموازنة، كما ليس لنا ان نحمّلهم حصراً مسؤولية ما آلت إليه الامور في بلادنا”. بدوره أعلن عضو “تكتل لبنان القوي” النائب ألان عون أن “المطلوب من الموازنة أن تحاكي الواقع لأن التدحرج المتدرج كل شهر يؤدي إلى تغيّر الأرقام وإعادة النظر في الموازنة ويجب إعادة التوازن بين الإيرادات والنفقات”. .واذ لفتت النائبة يعقوبيان الى ان “هذه الموازنة “تركيب طرابيش” واكتملت معنا بوجود 24 سعر صرف داخلها، ما يعني رمي الحكومة لمسؤولياتها حول تحديد الأرقام الفعلية”، رأت “اننا نشهد اليوم استمرار النهج ذاته في مقاربة الموازنة، ولا عجب، لاننا امام الطبقة نفسها التي عاثت فسادا بكل الموازنات وبكل البلد. الموازنة المقدمة ستؤدي الى المزيد من الانكماش الاقتصادي ولا تحقق نموًا وبالتالي الثقة ستبقى مفقودة”. واعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن “هذه الموازنة “شكلية” وكل الأوصاف المتبقية في غير محلها”. وأضاف: “نحن نوهم الناس منذ عام اننا في صدد إقرار قوانين للاتفاق مع صندوق النقد الدولي من اجل الحصول على بعض الاموال، ونحن نعلم انها قوانين شكلية تهدف الى ذرّ الرماد في العيون”. وتابع “أعظم خطّة من دون دولة لتنفيذها “ما إلها معنى” ولا توصلنا إلى أيّ مكان وأتمنّى تحديد جلسات نقاش عامّة تُطرح فيها خطّة التعافي التي تتكلّم عنها الحكومة”. ولفت النائب نعمة افرام الى “انني لم أستطع أن أربط هذه الموازنة بعد بأكبر انهيار للمجتمع بالحياة التي نعيشها يوميًا وبعد ما حلّ بنا منذ سنتين أو ثلاث سنوات، وكنت اتوقع ان تكون الموازنة فشخة نحو طريق التعافي المالي في لبنان”. ورأى “أن علينا أن نتعلّم من مرض العجز لأنه يقتل ويتسبّب بانهيار اقتصادي ولا بد من قرارات جريئة تفيد الشعب أكثر من ان توصل الى الانهيار”. وأضاف : “لم أرَ دولارًا جمركيًا واضح المعالم، مقترحًا ربط صيرفة بالدولار الجمركي لأهميّته في تأمين رواتب القطاع العام ولافتا الى أن كل رفع للرواتب غير مضروب أقلّه بـ16 مرّة لن يرفع من مستوى حياة العاملين في القطاع.” وسأل : “دولة كانت تعمل بـ17 مليار دولار في السنوات الماضية قادرة على أن تعمل بمليار دولار في موازنة 2022؟”. رئيس حزب الكتائب سامي الجميّل توجّه الى بري قائلا: “لن أناقش الموازنة، لا بل من المفيد أن تدعو دولة الرئيس غدًا لجلسة انتخاب، لننتخب رئيساً جديداً للجمهورية ولتتشكل حكومة جديدة تتحمّل المسؤولية وتضع خطة إنقاذ”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *