الرئيسية / قضايا وتحقيقات / تقرير حول تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي على اقتصاد الدول العربية
اوروبي

تقرير حول تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي على اقتصاد الدول العربية

تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي وضع خامس أكبر اقتصاد في العالم في مواجهة حالة من الضبابية الشديدة التي تكتنف آفاق نموه وجاذبيته المستثمرين، وقد تضر اقتصادات  دول أخرى في أوروبا وغيرها من الدول العربية عموما والخليج خاصة.

أنّ التداعيات الاقتصادية والمالية والسياسية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما يعرف بال Brexit تتجاوز حدود بريطانيا والاتحاد الأوروبي لتصل الترددات إلى الاقتصاد العالمي بأسره بما فيه منطقتنا العربية، ومن المؤكد أنها ستنعكس تحديداً على علاقة بريطانيا المالية والاستثمارية والتجارية مع الدول العربية عموماً والخليجية خصوصاً، حيث قد تمثل فرصاً إيجابية وتحديات سلبية في الوقت عينه.

لا يمكن حتى الان تقدير حجم المخاطر وراء هذه الخطوة لكن الشي المؤكد ان فوز المعسكر المؤيد لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، سيشكل منعطفا حاسما في مسار كلا الطرفين

وتبعا لخبراء الاقتصاد، تعود اسباب خروج البريطانيين من الاتحاد الاوروبي الى الاسباب التالية :

1-   الانتماء الثقافي والاجتماعي:

 خلال الأشهر الاربعة التي سبقت الاستفتاء كان وضحا لكل مراقب صعود التيار القومي البريطاني على خلفية اسباب عدة، هذا التيار الذي تصدر حملة الخروج قدم مقاربة الخصوصية والهوية والاستقلال السياسي والاقتصادي في مقابل مقاربة التنوع والاندماج والتكامل الاممي التي طرحا الاتحاد الاوروبي ومؤيدو البقاء .

وخلال الجدال السياسي الذي كان محتدماً بين الطرفين كان من الصعب على مؤيدي البقاء الاجابة على تساؤلات مقلقة حيال الامن ومكافحة الارهاب والهجرة وتدني معدلات الفائدة والتضخم والاستقلال الاقتصادي. هذا الجدل وضع الناخب البريطاني أمام فهم اخر لجدليات الهوية متمثل في السؤال التالي: هل نحن البريطانيون أقرب ثقافيا واجتماعيا للكتلة السكانية في امريكا الشمالية ام اقرب للكتلة السكانية في اوروبا؟ هل نحن اقرب للأميركيين أم للقبارصة على سبيل المثال؟  لترسم الاجابة على هذه التساؤلات الذهنية الصورة النهائية للاستفتاء .

 

2- التحديات الاقتصادية والازمة العالمية:

خلال العقد المنصرم عاشت الاقتصادات الكبرى أزمة مالية واقتصادية ثقيلة وما زالت تبعاتها تؤثر حتى الان، طريقة تعامل المؤسسات الكبرى وراسمو السياسات المالية حول العالم شابها الكثير من عدم الكفاءة. فشل الاتحاد الاوروبي من خلال ذراعه المالي المتمثل بالبنك المركزي الاوروبي (ECB) ، في حل معظلات هيكلية في الاقتصادات الاوروبية كمعدلات البطالة المرتفعة وتدني معدلات الفائدة وصولا الى اعتماد الفائدة السلبية والفشل في الوصول الى أهداف نمو اسعار المستهلكين (التضخم) الى مستويات 2%. كل هذا جعل الجميع أمام استحقاق المساءلة القاسية من قبل مجتمعاتها. البريطانيون قدموا درسا لكل الاوروبيين انه حان وقت المساءلة. يقول نيك روبنسون مراسل البي بي سي: قرر الناخب البريطاني معاقبة كل طبقة السياسيين والمصرفيين الفاشلين على عقد كامل من الخيبة !

 

3-   التفاوت في الاداء الاقتصادي:

حين فشل الاتحاد الاوروبي في تمكين الدول الصغيرة او ما يسمى بـ”الاسواق الطرفية” في بولندا وقبرص وهنغاريا واليونان والى حد ما في ايرلندا والبرتغال من تحقيق معدلات نمو اقتصادي نموذجي دفع اعداد ضخمة من سكان أوروبا الشرقية الفقيرة للبحث عن الوظائف في اوروبا الغربية الثرية وبالاخص بريطانيا بسبب برامج الضمان الاجتماعي السخية جدا. من جانب اخر كيف يمكن ان يتشارك الالمان الكادحين مع القبرصيين الكسالى في عملة واحدة وسياسة مالية واحدة؟ هذا غير منصف بالمرة .

هذا التفاوت تسبب في تفاوت في التعامل، جميعا شاهد كيف تعرضت اليونان كأمة وتاريخ الى إذلال غير مسبوق بين فبراير واغسطس 2015  من أجل حفنة من المساعدات المالية. لا احد يطمح بمثل هكذا معاملة اطلاقا .

 

4-   اليسار الأوروبي:

مع سيطرة أقطاب اليسار الاوروبي على مفاصل المفوضية الاوروبية في بروكسل والبنك المركزي الاوروبي في فرانكفورت، أصبح الفساد سمة بارزة في التعامل الاوروبي. مشاريع بائسة وسياسات عفى عليها الزمن واموال طائلة مبددة من التحفيز الكمي، ووعود بالفقر المدقع، لقد استوعب البريطانيون الدرس وقالوا ان هذا ما يعد به اليسار في كل مكان! وأخيرا على الصعيد الاوروبي، ما الذي بقي من حلم هيلموت كول المستشار الالماني السابق وفرانسوا ميتران الرئيس الفرنسي في الاتحاد والتكامل الاوروبي؟

 

5- النموذج السويسري:

 سويسرا بلد ليس عضوا في الاتحاد الاوروبي لكنها تملك معدلات نمو اقتصادي وناتجا إجماليا محليا أافضل من المملكة المتحدة ومعدلات بطالة اقل من المملكة المتحدة وعملة أقوى من الجنيه الاسترليني. يقول الناخب البريطاني: حسنا لنجرب النموذج السويسري !

 

6-   المؤسسات الدولية:

تصدر المشهد السياسي والاقتصادي طوال العقد المنصرم مؤسسات أثبتت فشلها في كل مرة واليكم بعض الامثلة: صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، الاتحاد الاوروبي، البنك المركزي الاوروبي، المفوضية الاوروبية، مجموعة السبعة الكبار، مجموعة العشرين الكبار، الاجتماعات الدورية لمحافظي البنوك المركزية الكبرى واجتماعات القمة الاوروبية والاطلسية والمحيط الهادئ… ماذا قدموا طوال عشرة أعوام من عمر الازمة العالمية؟.. لا شيء .

 

7- الهاجس الامني:

جميعنا شاهد عجز أوروبا الكامل عن معالجة أزمة اللاجئين بدء من خريف العام 2015. وتفشي ظاهرة الارهاب الذي ضرب بروكسل وباريس. فما الضير في أن يسعى البريطانيون الى تحصين أنفسهم قليلا !

 

8- الاستطلاعات المضللة:

في وقت متأخر من يوم الاربعاء وقبل ساعات قليلة من فتح صناديق الاقتراع نشرت (YouGov) و (Ipsos)  استطلاعان للراي اظهرا تقدما لحملة البقاء بواقع 52% مقابل 48% لانصار الخروج. وهو عكس ما حدث لاحقا. وخلال الاسبوع الاخير صدر ما لا يقل عن 10 إستطلاعات اظهرت تقدما ملحوظا لحملة البقاء، مثل هذه الاستطلاعات تعطي انطباعا بالتساهل والتكاسل لانصار حملة البقاء لانهم توقعوا وفقا لهذا الاستطلاعات ان الامر محسوم تماما فلا داعي للخروج والتصويت، فهناك من يقوم بها !

 

 

9-  يوم الاستفتاء:

 هناك حدثان طارئان،  ربما كان لهما تأثير على نتيجة الاستفتاء، اولا: عاصفة رعدية ضربت لندن و اجزاء واسعة من جنوب شرق المملكة المتحدة، تسببت في شلل خطوط النقل العام خاصة في لندن وعند ساعة الذروة في الخامسة عصرا، مع خروج الموظفين والعمال، واذا ما عرفنا ان لندن كان يعول عليها أنصار حملة البقاء في جذب أكبر عدد من المؤيدين، عرفنا حجم الضرر جراء ذلك. في يوم الاستفتاء هطلت أمطار على البلاد تناهز معدل هطولها في شهر كامل، وكان مناصرو حملة البقاء لا يمكلون الحافز لتحدي الظروف الجوية السيئة لتغير واقع قائم، بينما يملك مناصرو حملة الخروج الحافز وبشدة. وثانيا: حادث ارهابي ضرب احدى المدن الالمانية في منتصف نهار التصويت، وانباءه تتالت لاحقا، مما يكون قد أثر بشكل خاص على المترددين البالغة نسبتهم 10%.

 

وعلى الصعيد التجاري حذّر قادة العالم في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا بريطانيا من أن خروجها من الاتحاد الأوروبي سيؤثر سلبا على مكانتها بوصفها قوة تجارية عالمية .

وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن بريطانيا ستأتي في “مؤخرة الصف” في ما يتعلق بإجراء مباحثات مع الولايات المتحدة .

كما قال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند هذا الأسبوع إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يضع دخول المملكة المتحدة إلى السوق الموحدة على المحك .

 

لكن خبراء الاقتصاد المؤيدين لخروج بريطانيا رفضوا تلك التحذيرات، ووصفوها بالترويج للإشاعات المقلقة، ويقولون إن بريطانيا قد تبرم اتفاقيات تجارة مع الاتحاد الأوروبي ودول أخرى خارجه، وقد تخفض أيضا رسوم الواردات من تلقاء نفسها إذا لم يكن هناك اتفاق وشيك.

وأشارت معظم التوقعات إلى أن معدل البطالة البريطاني الذي يبلغ أدنى مستوياته في عشر سنوات حاليا عند 5% سيرتفع بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من نجاح بريطانيا في تجنب خسارة الوظائف بالقدر نفسه الذي حدث في دول أخرى بعد الأزمة المالية .

وكما حدث بعد الأزمة فإن الأجور قد تتحمل الوطأة الكبرى لأي تباطؤ ناجم عن الخروج من الاتحاد الأوروبي، وتوقع المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا انخفاض أجور المستهلكين الحقيقية بما يتراوح بين 2.2 و7% بحلول 2030 مقارنة بمستوياتها في حالة بقاء بريطانيا في الاتحاد .

 

 

في المقابل، قال خبراء الاقتصاد المؤيدون لخروج بريطانيا إن سوق العمل في البلاد قد تصبح أكثر ديناميكية عبر إلغاء قوانين الاتحاد الأوروبي المرهقة والتخلص من بعض رسوم الاستيراد الأعلى في الاتحاد مثل تلك المفروضة على الغذاء، بالإضافة إلى تعزيز الإنتاجية وتحسين مستويات المعيشة، لكن تقليص رسوم الواردات قد يعرض بعض قطاعات الاقتصاد لمنافسة شرسة.

وتأكيدا على ذلك كتبت صحيفة الفاينانشال تايمز مقالا عن تأثر اقتصاد بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الاوروبي،  وتحدثت عن آخر الاحصاءات حول البطالة، وقالت إن الانخفاض في عدد المسجلين الجدد في قوائم العاطلين عن العمل يبعث عن الارتياح بأن سوق العمل لم تتأثر كثيرا بتنائج الاستفتاء الأخير بالخروج من الاتحاد الأوروبي .

وأشارت الصحيفة أن هذا الانخفاض يناقض تماما توقعات المراقبين والمحللين الذين توقعوا ارتفاعا حادا لنسبة البطالة في بريطانيا بعد الاستفتاء بالخروج من الاتحاد، ومع ذلك قالت الصحيفة إن الصورة الكاملة لتأثير “البريكسيت” على البطالة في البلاد لن تتضح إلا حينما ينشر التقرير النهائي حول أرقام البطالة الشهر القادم .

كما ورأى الأمين العام لاتحاد المصارف العربية وسام حسن فتوح، في بيان، أنه « ان خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي ، قد يتيح عدداً من الفرص والمكاسب الاقتصادية للدول العربية، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي، تتمثل بتحسين شروط الاستثمار والقوة التفاوضية مع كلّ من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، خصوصاً في ما يتعلق باتفاقيات التجارة الحرة التي تهدف إلى تعزيز التجارة والاستثمار بين الطرفين. كما يخلق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فرصاً استثمارية أمام المستثمرين الخليجيين خصوصاً في السوق العقاري، بعد هدوء حالة الحذر وعدم اليقين الحالية، وذلك لأنّ انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني مقابل الدولار الأميركي يجعل العقارات والأصول البريطانية الأخرى أرخص وبالتالي أكثر جاذبية بالنسبة إلى المستثمرين من الدول الخليجية التي تربط عملاتها بالدولار الأميركي».

 

وفي إطار آخر، ذكر أمين عام اتحاد المصارف العربية «بأنّ قيمة تحويلات المغتربين العرب من المملكة المتحدة إلى الدول العربية بلغت حوالي 560 مليون دولار عام 2015، استحوذت مصر على نسبة 29.8 في المئة منها، يليها لبنان 27.5 في المئة ، فالمغرب 8.7 في المئة ، فاليمن 7.0 في المئة . وبالتالي، فإنّ إنخفاض سعر صرف الجنيه الاسترليني والتضخم المترتب عن ذلك، بالإضافة إلى احتمال ارتفاع نسبة البطالة في بريطانيا، من المتوقع أن يؤدي إلى انخفاض قيمة تحويلات العرب، الأمر الذي ستكون له تداعيات سلبية على اقتصادات الدول العربية المتلقية للتحويلات من بريطانيا».

ومن جهة أخرى، فإنّ قطاعي السياحة والعقارات في الإمارات العربية المتحدة، وخصوصاً دبي، قد يكون الأكثر تأثراً بتراجع الجنيه الاسترليني واليورو نتيجة لقرار انفصال بريطانيا، حيث أنّ أوروبا الغربية تشكل 23 في المئة من حجم السياحة في دبي.

ومن الناحية الاقتصادية والتجارية، فسوف يؤدي انخفاض قيمة اليورو والجنيه الاسترليني إلى خفض قيمة الدين الخارجي للدول العربية المقوم باليورو أو الجنيه الاسترليني، بالإضافة إلى خفض تكلفة الوارادت الأوروبية والبريطانية، ما يؤدي إلى انخفاض فاتورة الاستيراد، الأمر الذي يقلص العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، واحتمال خفض مستويات التضخم في الدول العربية التي تستورد من المملكة المتحدة.

 

وزارة الاعلام اللبنانية

مديرية الدراسات والمنشوارات

اعداد: زينب زهران

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *